المرسل مع ذاته، ومع المرسل إليه، هل أجلّه واحترمه أم أهانه وحقّره؟ هل حاول أن يُقرّبه أم يبعده؟ هل حاول إقناع أو فَرَض سلطته عليه مباشرة؟ هل تنازل عن موقعه الاجتماعي أو الوظيفي تقديرًا للمرسل إليه أم أنه مكث في عليائه؟ كل هذه الاعتبارات وغيرها تبيّن كيف يمكن للغة الخطاب أن تقود الفاحص إلى إجابات واضحة على هذه التساؤلات، بل إنها تعكس كل ذلك مباشرة بوصفها حقائق حاضرة.
ومن جهة أخرى، يسعى الخطاب من خلال وظيفتيه التعاملية والتفاعلية، إلى التعبير عن مقاصد معينة وتحقيق أهداف محددة، إذ يبرز في الخطاب مقاصد كثيرة قد تظهر مباشرة من شكل الخطاب، وقد لا تظهر. وعندها تصبح لغة الخطاب شكلًا دالاَّ يقود إلى المدلولات الثاوية خلفه من خلال المعطيات السياقية، والعلاقات التخاطبية، والافتراضات المسبقة التي يدركها المرسل أو يفترض وجودها، فيبني لغة خطابه عليها، كما يدركها المرسل إليه، ليستدل على المقاصد من خلالها.
ويتوخّى المرسل لتحقيق ذلك خططًا معينة هي التي يمكن أن نسميها استراتيجيات، وهي استراتيجيات تطّرد بعينها، من خلال أنساق لغوية وأدوات معينة، فتصبح ظاهرة لافتة للنظر، فتكتسب القيمة التي ترشّحها لتستحق الدرس والتحليل في نماذج مختلفة من الخطاب، بوصفها اطّرادات لغوية تجسّدها كفاءة المرسل التداولية في خطابه، وبوصفها ثمرة لسلسلة من الإجراءات الذهنية التي يقوم بها. و يكون في ذلك كله محكومًا بتأثيرات كل العناصر السياقية السالفة، فيغدو الخطاب عندها علامة على مجموعة من هذه الانتظامات التي تعبّر عن التفكير النظري والإنجاز اللغوي الذي يرى المرسل أنه الأمثل من بين الإمكانات التي تتيحها اللغة في جميع مستوياتها، وذلك للارتفاع بأداء القول وتحقيق ما يريده في خطابه.
فما الاستراتيجيات الخطابية التي يتوخّاها المرسل؟
هي استراتيجيات قد تفوق الحصر، ومع هذا، إلاّ أنه يمكن تصنيفها تصنيفًا عامًا، لينتظم