الصفحة 10 من 12

المرسل للمستويات اللغوية المختلفة في سياق معين، حتى يجعل إنجازه موائمًا لذلك السياق، وذلك بربط إنجازه اللغوي بعناصر السياق الذي حدث فيه، ومنها ما هو مكوّن ذاتي، مثل: مقاصد المتكلم، ومعتقداته، وكذلك اهتماماته ورغباته، ومنها أيضًا المكونات الموضوعية، أي الوقائع الخارجية، مثل: زمن القول ومكانه، وكذلك العلاقة بين طرفي الخطاب.

وتسهم هذه العناصر في تحديد الدلالة عند المرسل إليه، إذ يعتمد عليها في تأويل الخطاب وفهم مقاصده، وبهذا فإن المنهج التداولي يعين على دراسة ما يعنيه الخطاب في سياق معين، كما يعين على معرفة أثر السياق في لغة الخطاب عند إنتاجه. يتضح ذلك عند فحص خطب العرب في مختلف العصور، بالإضافة إلى كثير من النصوص الحديثة التي تعالج القضايا المعاصرة، سواء في الأعمدة الصحفية أو الحوارات المسجلة أو الخطابات العادية، ولا يضير كونها تتنوّع بين خطاب طفل وخطاب شيخ، امرأة ورجل، سياسي ورجل بسيط، حاكم ومحكوم، عسكري ومدني، كما لا يضير تنوّعها زمانيًا بين خطاب قديم يمثّله الشعر الجاهلي والخطبة الإسلامية، وبين خطاب حديث في الصحيفة أو الإذاعة أو في الشارع، بين خطاب مكتوب وآخر شفهي؛ فذلك التنوّع هو الدليل على كليّة (استراتيجيات الخطاب) في الكفاءة التداولية من جهة، أي وجودها عند مختلف هذه الفئات، وهو دليل كذلك على عموميتها الزمنية من جهة أخرى.

الدراسات التداولية:

تبين ندرة الدراسات العربية المختصة والموّصلة للمنهج التداولي، بيد أن هذا لا يعني غيابها تمامًا في الدراسات القديمة، بصورة عامة، إذ وردت في صورٍ مبثوثة ومعالجات متفرقة بقصد وبغير قصد، من خلال طرق العرض المتفاوتة، انطلاقًا من ضرورة المنهج اللغوي نفسه، أو من ضرورة المعالجة التي يستدعيها إنتاج الخطاب أو تأويله بشتى ضروبه ومختلف ميادينه.

ومن ذلك ما تطرّق له القدماء في المؤلفات اللغوية بصورة عامة، مثلما تجسّد في بعض المؤلفات النحوية، ومنها الكتاب لسيبويه، وشرح المفصل لابن يعيش، وهمع الهوامع للسيوطي، وغيرهم، كما تجسّدت في مواضع متفرقة من الخصائص عند ابن جنّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت