كما أن الاستراتيجيات تتفاضل فيما بينها، وذلك عائد إلى الآليات اللغوية والأدوات التي تتجسّد من خلالها.
وقد لا يتنبّه الناس لكل ذلك، كما قد لا يتيسر لهم فهم ومعرفة هذه الاستراتيجيات في سني الاكتساب اللغوي والتداولي، مما يجعل من هذا القصور سببًا في حدوث كل زلاّت اللسان وآفاته، فقد تكمن زلّة اللسان أو آفته في عدم التناسب بين الخطاب وبين السياق، وكفى بذلك إرهاصًا بفشل المرسل في تحقيق أهدافه، أو في بيان مقاصده.
ولأهمية تلافي مثل تلك الفلتات واستباق تلك الإخفاقات، فإنه يغدو من الأهمية بمكان جمع هذه الآليات وتصنيف تلك الأدوات ضمن استراتيجيات الخطاب، لينحو الناس إلى إكسابها أطفالهم، وينحوا، كذلك لاستعمالها بدلًا من الجمود على خطاب واحد أو طريقة واحدة.
وتتبوأ الاستراتيجيات في الخطاب مكانة مهمّة، فهي طرائق توصّل المقاصد وتعين على إدارة دفة الحديث، أي حديث، وبها يكمن التوافق مع سياق الخطاب أيًا كان نوعه، سواء أكان سياقًا عامًا أم سياقًا خاصًا. وتختلف الاستراتيجيات من مرسل إلى مرسل آخر. ويظلّ إنتاج الخطاب وفقًا لها أمرًا ضروريًا، خصوصًا في عصرنا الحاضر؛ وعليه فإن من المهم الكشف عنها، وإنزالها منزلتها، ولفت الانتباه إلى قدراتها الكامنة التي تتجلّى من خلال مهارة المرسل وكفاءته التداولية.
ولهذا، تُعنَى استراتيجيات الخطاب بدراسة اللغة في الاستعمال، مما يتطلب منهجًا يعتدّ بالسياق الذي تستعمل فيه وأثره على بنية الخطاب ومعناه، وهذا ما يوفّره ما عرف في المناهج اللغوية الحديثة بالمنهج التداولي، كونه يتأسس على مفاهيم عديدة تؤلّف فيما بينها محاوره التي يتشكّل منها وأطره العامة التي توضّح معالمه.
المنهج التداولي:
المنهج التداولي هو مستوى تصنيف إجرائي في الدراسات اللغوية يتجاوز دراسة المستوى الدلالي، ويبحث في علاقة العلامات اللغوية بمؤوليها، مما يبرز أهمية دراسة اللغة عند استعمالها، وبالتالي فإنه يُعنى بدراسة مقاصد المرسل، وكيف يستطيع المرسل أن يبلّغها في مستوى يتجاوز مستوى دلالة المقول الحرفية، كما يُعنى المنهج التداولي بكيفية توظيف