وتعدّ الدراسات البلاغية من الأعمال التي تطرّقت إلى ما يقتضيه المنهج التداولي، إذ يتضح ذلك في بعض الأعمال، ومنها: دراسات السكّاكي في مفتاح العلوم، والجرجاني في أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، والجاحظ في البيان والتبيين، والخفاجي في سرّ الفصاحة.
كما اقتضت الحاجة في دراسات الأصوليين إلى الإلمام بأدوات المنهج التداولي وآلياته واعتبار متطلباته السياقية واستحضارها، كون دراساتهم قائمة، أساسًا، على البحث في خطابات متنوعة ذات سياقات مختلفة، من هنا كانت هذه الدراسات من أبرز الدراسات القديمة التي عالجت بعض جوانب المنهج التداولي، مثل ما يتعلق بإنتاج المعنى وتأويله وشروط ترجيح معنى على معنى آخر، كما في دراسات الشاطبي في الموافقات، والغزالي في المستصفى، والقرافي في التنقيح، ومن نحا نحوهم. ومن جانب آخر، تعدّ أعمال الفقهاء من الأعمال التي لامست بعضًا مما يندرج في الإطار التداولي، من ذلك ما ورد عن ابن تيمية في الفتاوي، وابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، وغيرهم كُثر، فقد تم التركيز لديهم على بعض الجوانب في الأبواب التي تعالج المعاملات والعقود.
ومع ورود هذه الشذرات وتعدّد تلك الإشارات، إلاّ أن معالجاتهم كانت متناثرة لا يجمعها رابط، ولا تندرج في إطار معين بوصفها منهجًا دراسيًا لغويًا متكاملًا؛ بالرغم من عمقها في بعض المواضيع، وانضباطها في مواضيع أخرى. ووحدة التفكير الإنساني بعامّة وحاجته إلي إفهام الخطاب والقدرة على فهمه وتأويله هو ما يربط هذه الجهود بالدراسات التداولية المعاصرة. ولهذا كان ارتباطها مع هذه الدراسات من قبيل الارتباط الجزئي؛ بالرغم من كثرة الشواهد العملية في التداولية وقدرتها، إذ توزّعت في مواطن عديدة من المؤلفات الأدبية والموسوعات التاريخية والمصادر بمختلف مجالاتها.
ولم يغب هذا السبق عن بعض الباحثين المحدثين، عندما استثمره نفر منهم، فأفاد منه في دراساته من خلال المزج الواعي بينه وبين النظريات الغربية، مثلما فعل طه عبدالرحمن في دراساته التداولية التي تعالج الخطاب والحوار والحجاج من وجهة نظر فلسفية وأخرى لغوية. ليس هذا فحسب، بل انبنت على هذه الجهود بعض الدراسات الأخرى مثل دراسة محمد يونس علي، الذي بحث في كيفية تحليل الفقهاء للخطاب الفقهي تحليلًا تداوليا في سبيل استخراج الأحكام الشرعية والتقعيد لها وتصنيف مراتبها، ومنها كذلك،