الصفحة 2 من 12

الاطلس اللغوي والبحث اللساني عند العرب مقاربة منهجية

م. د. خالد نعيم الشناوي

جامعة البصرة - كلية الاداب

قسم اللغة العربية

شرع الباحثون العرب في بيان ماهية الاطلس اللغوي (الذي يعرف بالتوزيع اللغوي الجغرافي) ،مع تحديد اهم الاطالس اللغوية التي قام بها الباحثون الغربيون كجورج ونكر (G.Wenker) وجلييوون (Gillieron) ويعقوب (Docob Jud) وكارل بايرج (Karl Jabarg) وهانزكيوارث (H. Kurath) (1) ، والى جانب ذلك ظهر اهتمامٌ منهم، بهذا الضربِ من الدراسات، اذ بينوا طرائقَ بحثه اللغوي من خلال استعراضهم عددًا من الاطالس اللغوية، فراحوا ينظرون لهذا الامر بمضمونه الغربي، متجاهلين نتائجَ البحث اللغوي عند العرب القدماء، علما أنَّ علماء العربية الاوائل ومن خلال عملهم التطبيقي اعتمدوا الاسس البحثية العلمية نفسها التي ترشحت لنا عن الدرس اللساني الغربي، (2) ،إذ تمثل هذا الامر عندهم بالجانب التطبيقي (أي في عملية تحديد القبائل، واستقراء اللغة) واستعاضوا عن الخريطة بالنسبة الى القبيلة، اما الغربيون فقد نظروا لهذا الامر ثم بنوا بحثهم اللغوي على جملة من الاصول النظرية، فذهبوا يطبقون ما اجمعوا عليه ميدانيا (3) .

إنَّ عمل الاطالس اللغوية يقوم اساسًا على عملية المسح الميداني بعد تحديده جغرافيا، ومن ثم جمع العينات اللسانية الاستعمالية، ويتم تصنيفها ورسم الخرائط لها. وقد ظهر هذا الضرب

من الدراسات عند الغربين في عقد السبعينياتِ مِنَ القرنِ التاسعِ عَشَر، حينما عجزوا عن وضعِ قوانين التغير الصوتي لصيغٍ منضبطةٍ تمثلت عندهم باللسانِ الفصيح، فلذلك ذهبوا إلى استقصاء صور التنوع اللهجي المتمثل باللهجاتِ المحليةِ لاثبات اطراد القوانين الصوتية، والمقاربة بينها (4) ، لذلكَ انطلق الباحثون يجمعون مادتهم اللغوية من محيطها الجغرافي (5) ، ومن هنا ظهرت مثل هذه

إنَّ القارئ العربي وفي ادنى مقاربة منهجية(بين الدراسات اللسانية الغربية، والدراسات اللسانية

العربية)يمكن له الوصول الى فهمِ الاسس المنهجية المشتركة في ما قام به الباحثون الغربيون (6) ،وعلماءالعربية القدماء، إذ ثبتت عندهم تلك الاسس من خلال المروي من اللغة والاثر الذي ترتب على ذلك المروي، ومن هذه الاسس العلمية التي ترشحت عن البحث اللساني الغربي وما يماثلها في التراث العربي:

اولا: التحديد البيئي (الجغرافي) :

يعني تحديد ميدان الدراسة، جغرافيا، وهذا التحديد لابد أن يرتكز الى التحديد المجتمعي، أي أنَّ كلَّ بيئةٍ جغرافيةٍ يمكن أنَّ تكون مركزا لمجموعة من القبائل أو الأفراد يختلفون في العرق واللغة والدين، ومن هنا ياتي دور التحديد المجتمعي لمعرفة طبيعة الواقع اللغوي واللسان المستعمل.

لقد شرع اللغويون العرب في تحديد الحقل اللغوي (من دون قصد لعمل الاطلس اللغوي) الذي يتمثل بالعربية الفصحى من حيث التنوع الإقليمي الذي تمثلت به و وصفت بأنها لغةٌ لقومٍ ما حسب انتمائها الجغرافي، ومن ثم حددوا ميدان الدراسة، إذ عمدوا الى تحديد وحدات مجتمعية معروفة بالفصاحة لاعتمادها واتخاذها اساسا لدراسة اللغة العربية، وهذا مايتمثل بقول ابي عمرو بن العلاء: قال المبرد: (( وحدثني هارون عن نصر بن علي عن الأصمعي قال سمعتُ أبا عمرو بن العلاء يقول: افصح الناس: سافلة قريش وعالية تميم ) ) (7) وقد أورد ابن فارس هذا الامر بقول أبي عمرو بن العلاء (( أفصح الناس عليا تميم وسفلى قيس ) ) (8) ، وقال أبو زيد: (( أفصح الناس سافلة العالية وعالية السافلة ) ) (9) ، يعني عَجُر هوازن، قال: ولست أقول (( قالت العرب إلا ما سمعت منهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت