الصفحة 23 من 30

وَأحرَّ قَلْبَاهُ ممَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ ... وَمْنَ بِجِسْمِي وَحَالِي عِنْدَهُ سَقَمُ

فألحق الهاء في قوله"قلباه"، لقد جلب هاء السكت و أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف، وتلحق هاء السكت في الوقف لخفاء الألف، فتبين بها الألف، فإذا وصلت الكلمة حذفت الهاء، ولكن المتنبي انحرف عن الأصل فأجرى الوصل مجرى الوقف وأثبت الهاء.

ومن الانحرافات التي أثرت على الإيقاع خروجه في بعض الأحيان على الوزن إلى أصل البحر في الدائرة العروضية انظر إلى قوله (1) :

تَفَكُّرُهُ عِلَمٌ و مَنْطِقُهُ حُكْمٌ ... وَبَاطِنُهُ دِيْنٌ، وَظَاِهرُهُ ظَرْفُ

البيت من الطويل وجاء الشاعر بعروضه على"مفاعيلن"و عروض الطويل تأتي دائمًا مقبوضة على وزن"مفاعلن"إلا إذا صرع البيت فإن العروض تتبع الضرب فتجئ على مفاعيلن، و ليس هذا البيت مصرعًا و الشاعر هنا أنحرف إلى أصل البحر في الدائرة العروضية، هذا الانحراف يدل على أن المتنبي لم يكتف باختيار وزن البحر الطويل الذي يشتمل على إيقاعات تصلح للتعبير عن حالات الصراع النفسي، بل انحرف به عن وضعه الطبيعي.

وينحرف أيضًا عن الوزن إلى أصل الدائرة العروضية حين ينظم بعض قصائده على وزن لا يصلح للتعبير عن الصراعات النفسية كقوله في مدح بدر بن عمار (2) :

إنَّما بَدْرُ بْنُ عَمَّارٍ سَحَابٌ ... هَطِلٌ فِيْهِ ثَوَابُ وَ عِقَابُ

إنَّما بَدْرٌ رَزَايَا وَعَطَاَيَا ... وَمَنَايَا وَطِعَانٌ وَضِرَابُ ...

مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيْهِ وَلَكِنْ ... يتَّقِي إخْلافَ مَا تَرْجُوه الذِّئابُ

فَلَهُ هَيْبَةَ مَنْ لاَ يَتَرجّيٍ ... وَلَهُ جُودُ مُرَجّى لا يُهابُ

القصيدة من بحر الرمل، وتأتي محذوفة السبب فيصبح وزنها"فاعلن"وهذا البحر يصلح للنفوس الهادئة المستقرة، وهو لا يتفق مع عالم المتنبي الداخلي، لذا انحرف بالعروض في أبيات القصيدة وجاء بها على"فاعلاتن"ولا تأتي في الأصل على"فاعلاتن"إلا إذا كانت الأبيات مصرعه كالبيت الأول، وقد عمد الشاعر إلى ذلك في جميع أبيات القصيدة من غير تصريع، وهذا يعني أنه انحرف عن الوزن إلى أصل البحر في الدائرة العروضية وهو فاعلاتن.

ولاشك في أن المتنبي كان يستطيع تعديل الوزن، وليس شيء أبسط على الشاعر من تعديل الوزن، ولكن يبدو أن المتنبي كان يعمد إلى ذلك عمدًا لأسباب تعود إلى طبيعته وشخصيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت