ولذلك نظر اللغويون إلى لغة الشعر نظرة خاصة فأجازوا فيها ما لا يجوز لغويًا ونحويًا، وذلك تحت مسمى"الضرورة"يقول الخليل بن أحمد [1] : (( الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم ) )ويرى بعض النحاة أن الضرورة تعني الرخص التي يتمتع بها الشاعر سواء كان مضطرًا أو غير مضطر، يقول ابن عصفور عن الشعر [2] : (( أجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا ... ) ).
وليس لكل انحراف أسلوبي أثر جمالي وقيمة فنية، لأن بعض الانحرافات تعدّ من المستوى العادي اللغة و هي الانحرافات المطردة التي تحكمها قاعدة نحوية أو تصريفية، كالانحراف عن أصل الكلمة في الإعلال و الإبدال، أو الانحراف عن أصل وضع الجملة، وما دامت القاعدة تحكم هذه الانحرافات فهي انحرافات مطردة، وكذلك بعض المجازات إذا كثر استعمالها فقدت قيمتها الأسلوبية، يقول يحيى العلوي [3] : (( إن المجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفية، ومثاله قولنا الغائط، فإنه يكون مجازًا في قضاء الحاجة، وحقيقته المكان المطمئن من الأرض، ثم تعورف هذا المجاز وكثر حتى صار حقيقة سابقة إلى الفهم ) ).
ينزع إلى تشكيل اللغة حسبما تقتضيه حاجته لتقديم رؤاه وأحاسيسه بالطريقة التي يراها أكثر تأثيرًا من غيرها، ولو أدى ذلك إلى الإخلال ببنية الكلمة أو نظام الجملة، مما يولد لدى المتلقي إحساسًا بالدهشة و المفاجأة و يشحنه بطاقة انفعالية قوية، ولذلك عنى النقاد بشعره لأن ما يهم الناقد في النص الشعري لا يتوقف على ما يقوله النص وإنما يتجاوز ذلك إلى الطريقة التي يقال بها هذا النص فالناقد يبحث عن الشكل وأنماط الصيغ.
يفاجئ المتنبي قارئ شعره بخروجه على المستوى العادي للغة حين يجزم الفعل المضارع و يعمد إلى حذف الجازم في مطلع قصيدته التي بعث بها إلى يوسف بن عبد العزيز الخزاعي [4] :