الصفحة 1 من 10

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.

وبعد ...

الحمد لله القائل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) [1] ، والقائل: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [2] .

فإني رأيت القتل قد استحر بالعباد، حتى أن الدماء سالت من غير دليل موجب، وفي هذا تعدٍّ على حق الله تعالى، ومخالفة للدين الحنيف، وقد أمرنا ألا نزهق نفسًا إلا بالحق، وإن كانت تلك النفس كافرة، وما خوَّلَ الله تعالى غير السلطان أو نوابه لإقامة الحدود [3] ، ومنها القصاص في النفس، ثم إنَّ الذي وهب الروح للإنسان، هو من له حق انتزاعها منه.

وقد وقع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تراجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض) [4] .

فأباح أناس - من غير أهل العلم - سفك الدماء البريئة التي يتواجد معها المحتل في الأزقة والشوارع، محتجين بحجج واهية، أبرزها أنَّ المحتل يستغل وجود الناس في الشوارع - متترسًا - بهم، فيتجول في المدن ولا معارض، فإذا لم يُضرَبْ تمادى في غيِّه، وتعطَّلَ الجهادُ، وعاث المحتلُّ في الأرض الفساد، لذا جاز ضربه، وإن أدى ذلك إلى قتل الأبرياء!

ونسبوا هذا الحكم إلى الشرع، وهذا هراء، بل هو إفتراء على الله ورسوله، وعلى شرعه، قال الله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [5] .

وأعوذ بالله من الإفتراء عليه، أو على نبيه صلى الله عليه وسلم، أو التقول عليهما ما لم يقولا، قال تعالى: (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا) [6] ، وقال: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [7] .

وقد خرج هؤلاء"المفترون"عن أمر الله تعالى، وقد حذرنا من ذلك، فقال جل شأنه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [8] .

فأنكرت ذلك إنكارًا؛ لأنَّ ما زعموه ليس من مفهوم التترس في شيء! ثم انقدح في ذهني تصنيف"بحث مختصر"في حكم تترس العدو بالمسلمين، غيرة مني على دين الله تعالى وشريعته، ولعلي أنقذ من القتل أرواحًا بريئة تزهق بغير حق: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [9] .

ثم إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وجهنا إلى أن نغيِّر المنكر بأيدينا، أو بألسنتنا، أو بقلوبنا، وحسبي أنه خطوة علي طريق الجهاد الصحيح - الذي ندعو إليه - ليكون قتالُ العدو مستندًا إلى الدين، وإلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم القويم، فإنَّ ما كان بخلافهما فهو باطل.

فاستخرت الله تعالى في تأليفه، وأضفت إليه ما يدخل ضمن مفهوم التترس، وسميته"القول المبين في مفهوم التترس، وأحكامه في الدين"، ويتضمن ستة مباحث، وانتهيت من تصنيفه في الاثنين 28/ذي الحجة/1425 هـ، 7/ 2/2004 م، وأرجو ممن يقرؤه الدعاء لي بظهر الغيب، وألا يحرمني من النصح، فجل من لا يسهو، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي، وألوذ بحوله وقوته.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد

وعلى آله وصحبه أجمعين

الدكتور؛ عمر غني سعود العاني

الأنبار، الرمادي

[1] الفرقان: 68 - 69.

[2] النساء: 92.

[3] قول المؤلف: (وما خوَّلَ الله تعالى غير السلطان أو نوابه لإقامة الحدود) ، ليس على اطلاقه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:(لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك، لكان ذلك الفرض؛ على القادر عليه.

وقول من قال؛"لا يقيم الحدود الا السلطان ونوابه"، إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل، كما يقول الفقهاء؛"الأمر الى الحاكم"، إنما هو العادل القادر، فاذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها اليه مع امكان حفظها بدونه.

وكذلك الأمير؛ إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها، لم يجب تفويضها اليه مع إمكان إقامتها بدونه.

والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان؛ أقيمت.

اذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فانها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فان كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها؛ لم يدفع فساد بأفسد منه، والله أعلم) اهـ [المنبر] .

[4] أخرجه كثيرون، ولكثرتهم أكتفي بذكر بعضهم: البخاري حديث 121، 1652، 1655، 4141، 4143، 5230، 5814، 6403، 6474، 6475، 6666، 6667، 6668، 6669، 7009. ومسلم 1/ 81، 82، و 3/ 1305، و 4/ 2229. وابن ماجة 2/ 1300 ح 3942، 3943. وأبو داود 4/ 221 ح 4686. والنسائي 7/ 126، 127. وابن حبان حديث 187، 5940، 5974، 5975. والحاكم 1/ 171، و 3/ 533.

[5] آل عمران: 78.

[6] النساء: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت