من مبادىء الشريعة الإسلامية عدم الإضرار بالآخرين، سواء بأجسادهم، أو بأرواحهم، أو بأموالهم، أو حتى بمشاعرهم وأحاسيسهم.
وقد يكون المال دارًا أو محلًا فيه بضاعة، أو سيارة، أو غير ذلك مما يعد مالًا.
ولا يحق لأحد أن يأخذ من مال أخيه شيئًا إلا عن طيب نفس منه، قلّ ذلك أو كثر، فلا يجوز إجبارُ أحد - مسلمًا كان أم غير مسلم - على أن يدفع مالًا لأحد، سواء أجبر على ذلك على وجه الغصب أو على وجه الحياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس) [92] ، وقال أيضًا: (كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعرضُه) [93] .
ولا يجوز إتلاف مال أحد حتى في حال الحرب، فإن تترس العدو بمال المسلم أو غيره، لم يجز على المسلم الذي يقاتل العدو إتلاف ذلك المال إلا إذا كان مضطرًا لذلك، فإن فعل فعليه الضمان [94] .
والشيء نفسه يقال إذا كان العكس، فإن تترس المسلم بمال لأحد - من غير ضرورة - وهاجم العدوُّ المسلمَ فأتلف المال، فإنَّ على المسلم الذي تترس بذلك المال: الضمان.
قال الإمام البغوي: (لو تترس كافر بترس مسلم، أو ركب فرسه، فرمى إليه واحد من المسلمين فأتلفه، فإن كان في غير حال التحام القتال: يجب عليه الضمان، وإن كان في حال الالتحام، فإن أمكنه ألا يصيب الترس والفرس، فأصابه: ضمن، وإن لم يمكنه إلا به، فإن جعلناه كالمكره، لم ضمن؛ لأنَّ المكره في المال يكون طريقًا في الضمان، وههنا لا ضمان على الحربي، حتى يجعل المسلم طريقًا، وإن جعلناه مختارًا: ضمن) [95] .
وقال الشربيني: (لو تترس كافر بمال مسلم، أو ركب مركوبه، فرماه مسلم فأتلفه؛ ضمنه إلا إن اضطر، بأن لم يمكنه في الالتحام الدفع إلا بإصابته، في أحد وجهين، يظهر ترجيحه، وإن قطع المتولي بأنه يضمنه، كما لو أتلف مال غيره عند الضرورة) [96] .
[92] تقدم تخريجه في المبحث الأول.
[93] تقدم تخريجه في المبحث الأول.
[94] للإمام ابن حزم كلام في حرمة مال المسلم، أحببت إيراده على ما فيه من مبالغة، وأتبعه بتعليق شيخ الإسلام ابن تيمية عليه، فإنَّ ابن حزم قال في"مراتب الإجماع: 266": (واتفقوا أنَّ إزالة المرء عن نفسه ظلمًا، بأن يظلم من لم يظلمه قاصدًا إلى ذلك، لا يحل. وذلك مثل أن ينزل عدو - مسلم أو كافر - بساحة قوم، فيقول: أعطوني مال فلان، أو أعطوني فلانًا، وهو لا حق له عنده بحكم دين الإسلام، أو قال: أعطوني امرأة فلان، أو أمة فلان، أو افعلوا أمر كذا، لبعض ما لا يحل في الإسلام؛ فإنه لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه لا يحل أن يجاب إلى ذلك، وإن كان في منعه اصطلام الجميع) .
وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في"نقد مراتب الإجماع: 302"، بقوله: (قلت: دعوى الإجماع في مثل هذا الأمر العام الذي يتناول أنواعًا كثيرة؛ ليس مستنده نقلًا في هذا عن أهل الإجماع، ولكن هو بحسب ما يعتقده الناقل، في أنَّ مثل هذا ظلم محرم لا يبيحه عالم. وفي بعض ما يدخل في هذا نزاع وتفصيل، ... ، وكذلك لو أكره رجل على إتلاف مال غيره، وإن لم يتلفه قتله، جاز له إتلافه بشرط الضمان. والعدو المحاصِر للمسلمين إذا طلب مال شخص، وإن لم يدفعوه اصطلمهم العدو، فإنهم يدفعون ذلك المال، ويضمنونه لصاحبه، وأمثال ذلك كثيرة) . وقد ذكر في أثناء كلامه مذاهب العلماء في حكم التترس بالمسلم، وقد ذكرت طرفًا منه في هذا البحث.
[95] البغوي، التهذيب 7/ 474. ونقله عنه: الإمام النووي، الروضة 10/ 247، بتصرف.
[96] الشربيني، مغني المحتاج 4/ 224. ونحوه قول: عبد الحميد الشرواني، الحاشية 8/ 397.