إنَّ ضرب العدو بوجود المارة في الشوارع والأزقة، المؤدي إلى قتلهم؛ لا يجوز؛ لأنَّ ذلك لا يحقق نصرًا للمسلمين، ولا يمنع المحتل من دخول البلاد - لأنه فيها أصلًا - وبالإمكان ضرب العدو بعيدًا عن الناس، وقد يَهِمُ بعضُهم ويظنُّ جوازَ ذلك، محتجًا بأنَّ العدو يستغل وجود المارة في الشوارع والأزقة، فيدخل المدينة متترسًا بهم، لذا يجوز ضربه وإن أدى ذلك إلى قتل المارة! ولأنَّ المدن أصبحت ساحة حرب، والكل فيها يقاتل المحتل بناء على وجوب الجهاد بعد مداهمة العدو بلاد المسلمين [98] ! وإن تُوِفِّي أحدُ من المارة فإننا نكون بذلك قد عجلنا له الشهادة!
ويحتج"متسرعون"منهم أو"نصَّيُّون"- وسمّهم ما شئت - الذين أعياهم فهم النصوص، والوقوف على حقائقها، بما"نسبوه"إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أنَّ رمي الكافر المحارب إذا أفضى إلى قتل المسلم، فإنَّ المسلم يكون شهيدًا!
أقول: إنَّ قتل الأبرياء بهذه الحجج كبيرة من الكبائر، فإذا تعمد المسلم قتل الأبرياء بهذه الحجة، وهو يعلم بوجود المسلم عند مرور العدو، فإنَّ هذا يعد قتلًا عمدًا موجبًا للقصاص!
وقد نص على ذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بقوله:(ولو رمى في بلاد الحرب، فأصاب مسلمًا مستأمنًا أو أسيرًا أو كافرًا أسلم، فلم يقصد قصده بالرمية، ولم يره، فعليه تحرير رقبة، ولا دية له.
وإن رآه وعرف مكانه، ورمى وهو مضطر إلى الرمي فقتله، فعليه دية وكفارة، وإن كان عمده، وهو يعرفه مسلمًا فعليه القصاص إذا رماه بغير ضرورة ولا خطأ، وعَمَدَ قتله) [99] .
وتأمل قول الإمام الشافعي: (ولو رمى في بلاد الحرب) ، أما في دار الإسلام فالأمر مختلف؛ لأنَّ أغلب من فيها من المسلمين، فلأجل ذلك يتوجب على من يرمي العدو اليقظة والحذر، وتحري الدقة، وخلو المكان من الناس؛ لأنَّ من رمى العدو في بلاد المسلمين، فقتل مسلمًا أو من هو في حكمه، فهذا يعد من باب القتل العمد، فيجب القصاص عليه، إن كان المقتول مسلمًا، وعليه الدية والكفارة إن كان المقتول غير مسلم، فأذا إذا قصد رمي العدو، غير أنه أخطأ في إصابته، فأصاب مسلمًا أو من هو في حكمه، فهذا يعد من باب القتل الخطأ، فتجب الدية والكفارة عليه.
ويدخل في هذا من ضرب مقرات العدو التي يتخذها لحبس الأسرى من المسلمين، ويدخل فيه أيضًا من فَجَّرَ لغمًا في شارع مكتظ بالمارة أو قرب بيت من البيوت، فأدى انفجاره إلى هيجان العدو، ورمي من بقربه من المارة، أو نسف البيت القريب منه وقتل من فيه ظنًا من العدو تورط من فيه بالتفجير.
وقولهم: إنَّ المدن تحولت إلى ساحة حرب.
فهذا صحيح، لكنه لا يسوغ القتل بغير الحق، والدليل عليه قصة"اليمان"- والد حذيفة رضي الله تعالى عنهما - في معركة أحد، فإنَّ الصحابة رضي الله عنهم لما انسحبوا إلى الخلف، بعد أن ظفر العدو بهم في الصفحة الثانية من المعركة، وتخلخلت صفوفهم، ولم يستطيعوا التمييز بين العدو والصديق؛ ضرب قوم منهم"اليمان"فأردوه قتيلًا، حتى أنَّ ابنه - حذيفة رضي الله عنه - أشار إليهم أن: (أبي أبي يا عباد الله!) ، لكنَّ صوته لم يحل دون حتف أبيه، ثم بعد هذا قال لهم سيدنا حذيفة: (يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين) ، فأراد رسول الله أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزادته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا [100] .
والشاهد في ذلك أنَّ الذي قتل"اليمان"رضي الله عنه لم يقصد قتله، وإنما ظنه من جيش العدو، فأجهز عليه، ومع هذا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على القاتل الدية، ولم يعفه منها، وقد كان في ساحة الحرب! ولو كان لهذا المعنى اعتبار، لأسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنه الدية؛ لأنه كان في ساحة حرب!
ولزامًا علي أن أنبه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الدية في القتل الخطأ، ولم يوجب الكفارة، وقد كان هذا في السنة الثالثة من الهجرة، وهو العام الذي وقعت فيه معركة أحد، ثم في العام الثامن من الهجرة، وهو عام فتح مكة، نزل قول الله تعالى في سورة النساء [آية 92] [101] ، وفيها فرض الله تعالى الكفارة والدية في القتل الخطأ، فزيد في حكم الخطأ في القتل.
أما قولهم: بأننا نعجل له في دخول الجنة!
فهذا ما لم يسبقهم إليه سلف ولا خلف، وما لم ينطق به قرآن ولا سنة، ولا أفتى به عالمٌ معتدٌ بعلمه، موثوق بدينه، وفيما قالوه افتراء على الله ورسوله، وعلى شرعه! ونعوذ بالله من الطمع الكاذب، والجهل بالدين، والتلطخ بدماء الأبرياء.
أما ما نسبوه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فإنهم قوَّلوا الرجل ما لم يقل، وحاشا لمثل شيخ الإسلام ابن تيمية، أن يفتري - كما افتروا - على الله أو على شرعه الكذب، وهو من هو في العلم، والورع، ومعرفة مذاهب العلماء وأدلتها.
إنَّ قول شيخ الإسلام بأنَّ المسلم إذا قتل بسبب رمي المحارب يعد شهيدًا، ليس فيه دليل - لذي لب - على جواز قتله في أثناء رمي المحارب؛ لأنه يتحدث عن حال المقتول بهذه الصفة، لا عن شرعية قتله في أثناء رمي المحارب! وبين هذا وذاك بون شاسع، وفرق كبير.
على أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتحدث عن أولئك الذي يتترس بهم العدو المحارب، ممن دعت الضرورة إلى قتلهم حفاظًا على شوكة المسلمين وكيانهم.
وأحب أن أنقل هنا كلام شيخ الإسلام بنص ما جاء، فإنه قال:(وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا؛ فإنهم يقاتلون، وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم.
وإن لم يخف على المسلمين، ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين؛ قولان مشهوران للعماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء) [102] .
وليتأمل أهل النظر في قوله؛ (وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء) ، التي استنبط منهما"المفترون"شرعية قتل الأبرياء الذين يتواجدون في أثناء رمي الكفار المحاربين! فإذا لم يفهم هؤلاء كلام شيخ الإسلام، فأنى لهم أن يفهموا كلام الله تعالى، ومقاصده في شرعه!
علمًا أنَّ ابن تيمية رحمه الله تعالى لم يكن أول من قال بأن المقتول بهذه الصفة يكون شهيدًا، فقد قال الإمام النووي: (فإن هلك منهم هالك، فقد رزق الشهادة، قاله أبو إسحاق) [103] .
وإنا لله وإنا إليه راجعون في هجر ما أمر الله تعالى به ونهى، وعلى تلك الأرواح البريئة التي أزهقت من دون إذن من الله تعالى.
قال الله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [104] ، وقال: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [105] ، وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [106] ، وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) [107] ، وقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ) [108] ، وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [109] ، وقال: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [110] .
وهذا آخر البحث
والحمد لله على التمام
وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله عليه التحية والسلام
عمر غني سعود العاني
[98] وهذا هو الحق، فإنَّ العدو إذا داهم بلاد المسلمين، وجب عليهم جهاده - بأمير أو بدونه - ولعمري إذا لم يجب الجهاد، والحال هكذا فمتى يجب؟! إلا أنَّ جهاد العدو يجب أن يكون على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنَّ الجهاد بخلاف هديه يعد فسوقًا، وخروجًا عن تعاليم الدين، وقد يؤدي ذلك إلى ما لا تحمد عقباه!
[99] الإمام الشافعي، الأم 4/ 246 (الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية، ومن لا تؤخذ) .
ونحوه قول الإمام البغوي في"التهذيب 7/ 473": (وإن تترسوا بمسلم، نظر: إن لم يكن في حال التحام القتال: لا يجوز أن يضربه. فإن ضربه، فقتله - فهو كما لو قتل رجلًا في دار الحرب - إن علمه مسلمًا عليه القود، وإن ظنه كافرًا: فلا قود عليه، وتجب الكفارة، وفي الدية قولان) .
وقد نقل الإمام النووي عن الإمام البغوي كلامه في"روضة الطالبين 10/ 146"، فقال: (فإن رمى رام، فقتل مسلمًا، قال البغوي: هو كما قتل مسلمًا في دار الحرب، إن علمه مسلمًا، لزمه القصاص، وإن ظنه كافرًا، فلا قصاص، وتجب الكفارة، وفي الدية قولان) .
[100] ابن سعد، الطبقات 3/ 441. وخليفة بن خياط، التاريخ 1/ 69. والبلاذري، فتوح البلدان 1/ 304 (وفيه أنَّ الذي قتله خطأ: عبد الله بن مسعود الهذلي) . والطبري، التاريخ 2/ 73. وابن الجوزي، المنتظم 3/ 184 (ترجمة 37) . وابن حجر، الإصابة 2/ 74 (ترجمة 1722) . واسم اليمان: حسيل بن جابر، كما في المصادر السابقة.
[101] قال الإمام السيوطي في"لباب النقول في أسباب النزول: 77"، في سبب نول قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) : (أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن عكرمة، أنَّ رجلًا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه، فقتله، فقال صلى الله عليه وسلم:(لا أؤمنه في حل ولا حرم) ، فقتل يوم الفتح. قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) الآية).
[102] ابن تيمية، كتب ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية 28/ 547.
وما قاله شيخ الإسلام هنا يوافق قوله في كتابه"نقد مراتب الإجماع: 302"، فإنه قال مشيرًا إلى موضوع قتل الترس، أنه إذا: (خيف على جيش المسلمين إن لم يرموا، فإنه يجوز أن يرموا بقصد الكفار، وإن أفضى إلى قتل هؤلاء المعصومين؛ لأنَّ فساد ذلك دون فساد استيلاء الكفر على جيش المسلمين، وهذا مذهب الفقهاء المشهورين، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم) .
وقال: (ولو لم يخش على جيش المسلمين، ففي جواز الرمي قولان لهم: احدهما: يجوز، كقول أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي. والثاني: لا يجوز، كالمعروف من مذهب أحمد والشافعي) .
[103] النووي، الروضة: 10/ 245.
[104] الأنعام: 51.
[105] الذاريات: 55.
[106] الكهف: 57.
[107] السجدة: 22.
[108] الزمر: 32.
[109] الصف: 7.
[110] آل عمران: 8.