الصفحة 2 من 10

تعريفه:

الترس في اللغة له عدة معان، أقربها إلى ما نحن فيه: (الشيء المتوقَّى به) .

قال ابن منظور: ("الترس"من السلاح: المتوقَّى بها - معروف - وجمعه: أتراس، وتراس، وترسة، وتروس ... قال يعقوب: ولا تقل أترسة، وكل شيء تترست به، فهو مترسة لك، و"التترس": التستر بالترس، وكذلك التتريس، وتترس بالترس: توقى) [9] .

وعليه فإنَّ"التُرْسَ"من حيث اللغة، هو ما يتوقى به المحارب من خصمه، ويشمل ذلك كل ما أمكن الاحتماء به من جماد أو إنسان، إلا أنَّ عرف الناس خصَّ التترس بالآدمي، فإذا أطلقت هذه اللفظة، فيراد بها التترس بالآدمي دون غيره، في أثناء الحرب، والله أعلم.

و"المُتَتَرِّسُ"، هو الشخص الذي يتوقى من الخصم.

و"التَّتَرُّسُ"، هو عملية التوقي من الخصم،

ويمكن أن يقال: إنَّ"التترس"في مفهومه العام يعني: توقي جيش من الجيوش برعايا جيش خصم له، في أثناء الحرب، لمنع الأخير من مهاجمة الأول، حفاظًا على رعاياه الذين يحتفظ بهم الأول.

ولم أجد تعريفًا لمفهوم"التترس"- في عرفنا نحن المسلمين - عند علمائنا، فيما وقفت عليه من مصادر! لذا يمكن القول إنَّ"التترس"يعني: توقي العدو بمعصوم الدم أو بماله، لمنع المسلمين من مهاجمة العدو [10] .

وإنما قلت؛ (معصوم الدم) ، ليشمل المسلم وغيره، ممن دمه محقون عندنا كالذمي، وغير المحاربين الذين لا يجوز لنا قتلهم، وإن كانوا كفارًا، كما سيأتي، ويشمل نساء العدو وصبيانه، المنهي عن قتلهم كما سيأتي أيضًا، ويشمل غير المحاربين من رعايا العدو.

وقلت؛ (ماله) ، لأنَّ مالَ المسلم أو غيره، مصانٌ في شرعنا، ولا يجوز التعدي عليه، ولا إتلافُه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعرضُه) [11] .

وكذا قوله: (لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس) [12] ، وسيأتي هذا - أيضًا - في مطلب مستقل.

وبالقيود المذكورة يخرج التترس بالمباح من الدروع الواقية ضد الأسلحة، وما شابه ذلك.

صوره:

وقد صور العلماء لمعنى"التترس"صورًا على ما كان في عصرهم، وهي:

1)أن يكون"الترس"في حصنٍ للعدو، يريد المسلمون فتحه، سواء كان ذلك المسلم من أهل ذلك الحصن، أو ممن أسرهم العدو.

2)أن يكون الترس في سفينة للعدو.

3)أن يتترس العدو بالمسلم حال قيام الحرب والتحام الجيش.

والقصدُ من ذلك كلِّه منع المسلمين من مهاجمة العدو في حصنه، ثم فتحه، أو منع المسلمين من إغراق سفن العدو أو حرقها، أو منعهم من مهاجمة جيش العدو والإجهاز عليه.

ومثلما كان الترس في اللغة يعني؛ (كل شيء تترست به) - كما قال ابن منظور - فإنَّ معنى"التترس"لا يقف على ما تقدم ذكره مما كان في عصر العلماء قديمًا، وإنما ينطبق على كل محاولة من العدو منع مهاجمته مستغلًا وجود المسلم عنده بين يديه، وتحت تصرفه، ومتى فعل العدو ذلك، وأراد كف المسلمين عن قتاله عُدَّ متترسًا بالمسلم، أو بمن في حكمه، والله أعلم.

فإذا فعل العدو ذلك، فهل يجوز مهاجمة العدو مما يؤدي إلى قتل"الترس"لفتح الحصن، أو إغراق السفينة أو حرقها لإتلاف مؤن العدو البشرية والمادية، أو مهاجمة جيش العدو؟

وبمعنى جديد: هل يجوز ضرب المحتل - ومن تحالف معه - في القصور الرئاسية التي يتحصن بها، أو في غيرها من البنايات التي يتخذها لحبس أسرى العراقيين والمعتقلين منهم؟

وهل يجوز ضرب آلياته وطائراته، وقد تحصن بالمسلمين، يُسيِّرُونَه معهم حيث ساروا، ويُجلسونه حيث جلسوا؟ هذا ما سنوضحه في هذا البحث المختصر بإذن الله تعالى.

أنواعه:

ولا يقف مفهوم التترس على التترس بالأبدان، وإنما يشمل كذلك التترس بالمال وما يتقوم به نحو الدار أو السيارة، أو غير ذلك مما يتقوم بالمال، بل إنَّ ما يلبسه المحاربون من دروع واقية ضد الأسلحة، يعد ترسًا، ولكنَّ العرف العام خص ذلك بالتترس بالنفس البشرية، أو المال، في أثناء الحرب، على ما تقدم.

[9] ابن منظور، اللسان 6/ 32 (ترس) .

[10] اجتهدت رأي في وضع تعريف (للتترس) ، وأرجو ألا يكون تعريفًا مدخولًا، أو غير جامع.

[11] أخرجه الإمام أحمد 2/ 277، 360. وعبد بن حميد 420 ح 1442. ومسلم 4/ 1986. وابن ماجة 2/ 1298 ح 3933. وأبو داود 4/ 270 ح 4883. والترمذي 4/ 325 ح 1927، وقال: (هذا حديث حسن غريب) . والبيهقي 6/ 92، و 8/ 249.

[12] أخرجه الإمام أحمد 5/ 72. وأبو يعلى 3/ 140 ح 1570. وابن حبان 13/ 317 ح 5978. والدارقطني 3/ 26. والحاكم 1/ 171. والبيهقي 6/ 100، و 8/ 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت