الصفحة 14 من 25

ثبت الاتحاد وثبت أنّه في المعاني فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتحدت المعاني" [1] ، وحسن الاتحاد مشروط بحسن العلاقة بين المكونات الصرفيّة والنحويّة التي تحرر الكلمة من ثباتها، وتحصّن دلالاتها من خلال تمايز في تشكيلاتها الصوتيّة والنحويّة، فإذا أخذنا هذا البيت للمتنبي:"

بمَ التعللُ لا أهلٌ ولا وطنٌ ... ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكن [2]

تتبين أنّ التركيب متشكلٌ من حروف وأسماء، فإذا حاولنا عزل هذه المفردات، كانت مقاطع صوتية لها إمكانياتها الذاتية، ولكنها تفتقر إلى طاقة التكتل القادرة على تقمص الفكرة وبث الإشارات الدلالية، وهي بالتالي عاجزة عن تجسيد حالة المتنبي النفسيّة التي ارتسمت في الكل التركيبيّ غربةً نفسيّة واجتماعية ووطنيّة، وهي حالة شعورية متأصلة في نفسه وليست حالة طارئة، وإنّما التعلل هو الطارئ، وهذه الدلالات نستشفها من تكرار الأسماء النكرة، فالاسم أسبق على الفعل وأكثر استخدامًا، والنكرة أشد تمكنًا من المعرفة وهي أصل المعرفة [3] ، فأضفى التنوين على السياق تمكينًا وثباتًا وتأصلًا، فكان السبق للاغتراب النفسيّ على التعلل الذي تقدّم في الترتيب وتضاءل فعله في كلية الرسالة.

أدت قواعد الصرف والنحو دورًا رئيسًا تجلى في متانة السياق وبث الإشارات وتعميق دلالات الحدث، فالأسماء جاءت علاماتها الإعرابية ضمة ظاهرة، والضمة علامة الرفع والإسناد، وهذا دليلٌ على أنّ غربتُه النفسيّة حالة متمكنة وأساس يُسنَدُ إليه كيانه الوجدانيّ، فكانت الجمل جميعها اسمية، والمبتدأ فيها نكرة جوازًا مسبوقًا بنفي، وخبره محذوف جوازًا، أيضًا، فأفاد تكرار كلمة"لا"تأكيد النفي، وأفاد تعدد الجمل الاسمية الثبات، وأفادت النكرة تمكن غربته النفسية، وأفاد حذف

(1) _ دلائل الإعجاز، ص 317.

(2) _ المتنبي، الديوان،

(3) _ سيبويه، ج 1، ص 20_21_22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت