الصفحة 15 من 25

الخبر العلم به وانتشاره، فكان للتركيب النحويّ الدور الأساس في توطيد العلاقات السياقيّة وتماسك نظمها وتبني المعاني والدلالات.

تنبّه علماء اللغة الأوائل إلى دور التراكيب في إنتاج المعاني وبث الإشارات، وتعدد الدلالات، ومما قاله السيوطي نقلًا عن الرازي:"ليس الغرض من الوضع إفادة المعاني المفردة، بل الغرض إفادة المركبات والنسب بين المفردات كالفاعلية والمفعولية وغيرهما،" [1] ، أي إنّ المعاني التي تنتجها الألفاظ لا تتوقف عند قيمتها المعجمية بل تكتسب من مواقعها السياقية قيمًا مغايرة ومتناقضة ومتباينة، لأنّ العناصر اللغوية تكتسب قيمتها الترميزية، وطاقتها الإيحائية من وحدة السياق وتماسكه، فكلمة"نديم"، مثلًا، عكست في سياق بيت المتنبي، السابق ذكره، تمكن حالة الاغتراب النفسيّ والاجتماعيّ في وجدان الشاعر، أمّا في كلام الأخطل:

إذا ما نديمي علّني ثمّ علّني ... ثلاث زجاجات لهنّ هدير

خرجت أجرُّ الطرف حتى كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير

فلقد عكست كلمة"نديم"المشاركة الوجدانية والاجتماعية، وكشفت عن واقع حركيّ، قوامه فعل وجزاء، منطلقهما ماضٍ نحو مستقبل مؤسس على الارتواء ونشوة الخمر، وهاتين القيمتين المجسدتين فاعلية العنصر اللغويّ"نديم"أظهرتهما دقة النظم ووظيفة مكوناته الصرفيّة والنحويّة، التي وحدها لها الفضل في توليد الصور البلاغيّة وتكثيفها.

(1) _ المزهر، ج 1، ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت