يفرض ترتيب عناصر اللغة علامات توحي بوظيفتها ودلالاتها، فتنقل رسالة رغب المرسِل في تبليغها بوضوح ودقة، وأيُّ تغيير في ترتيب العناصر يؤدي إلى تشويه فحوى الرسالة ويسيء إلى مضمونها وجوهرها، فإذا أُخضعت كلمات هذا البيت الشعريّ:
إن المرءُ ميتا بانقضاءِ حياته ... ولكن بأن يُبغى عليه فيخذلا [1]
لتبديل المواقع تتشوّه القيمة المعنويّة الحقيقيّة للمُرسَلة، وتتحوّل عن أهدافها، ويفرّغ التركيب الشعريّ من معانيه ودلالاته، فالمعنى العام يشير إلى حكمة مجتمعية وأخلاقية وإنسانية؛ فالمرء لا يّعد ميتًا إذا انقضت أيامه في الحياة، لأنّ الموت الحقيقيّ موت اجتماعيّ يفرضه الغي والظلم وما يولدانه من خذلان، فصار الخذلان موتًا، والبغي لا حياة، ولذلك كانت علامة الرفع في كلمة"المرء"دليلًا على أنّ"إن"نافية"وليست حرفًا مشبهًا بالفعل، فانتفت فرضية التأكيد والتشبيه، وصارت الحياة الحقيقة موازية للعدل والحق، ويمكن توضيح الفرضية ونتيجتها على النحو التالي:"
(إن) = نفي= (-)
المرءُ ميت= لا وجود له= (-) نفي
انقضاء الحياة= لا وجود لها= (-) نفي
لكن= الاستدراك، وهنا أفادت إسناد النفي إلى ما بعدها= (-)
بأن يبغى=دلالة الفعل المنصوب مستقبلية سالبة
فيخذلا= دلالة الفعل المنصوب المستقبلية سالبة.
(1) _محمد محيي الدين عبد الحميد، شرح ابن عقيل، لا. ت، ج 1، ص 318.