الصفحة 8 من 25

بقية العناصر، سمات فضائية المسار الدلالي، وحركية النص اللامتناهية وغير المستقرة، فكانت العلاقة بين عناصر اللغة والسياق علاقة تعانق وتكامل وتداخل وتناظر وتكافؤ، فلا وجود لسياق من دون عنصر لغويّ، ولا قيمة دلالية للعنصر اللغويّ خارج السياق.

أكّد الجرجاني في دراساته اللغوية على حتمية العلاقة بين السياق مكوناته اللغويّة؛ الصرفيّة والنحويّة، ورأى أنّ العقل لا يمكن أن يتصور معنى فعل أو اسم من دون تعالق مُنظَّم ضمن السياق؛ فقال"لا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعماله فيه وجعله فاعلًا له أو مفعولًا، أو يريد منه حكمًا سوى ذلك من الأحكام مثل أن يريد جعله مبتدأ أو خبرًا أو صفة أو حالًا أو ما شاكل ذلك ... لم يكن الفعل وحده من دون الاسم ولا الاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل، كلامًا" [1] .

شبّه الجرجاني صاحب الكلام الجيد بالصائغ الذي يحسن خلط الذهب والفضة بنسب تتناسب وقيمة المنتج، فقال: إنّ"واضع الكلام مثل من يأخذ قطعًا من الذهب والفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة" [2] ، وبهذا المزج الفني الإبداعيّ الدقيق تكتسب الأدوات والظروف والضمائر واللواحق، التي لا قيمة لها في ذاتها، نشاطًا لغويًا متجددًا، وبناءً إيقاعيًا عميقًا، وتصير من أهم الوحدات اللغوية الفاعلة في بنية التركيب المتكامل والمتجانس.

تظهر القراءة التحليلية لبيتين من الشعر استدلّ بهما الجرجانيّ على دور السياق في تأدية المعنى، أنّ الحروف الداخلة في بنية التركيب (إنّ_ لا_ على_أن_ الباء_حتى_ الووا_ كأنّ_ لم) لا قيمة دلالية لها خارج

(1) _ الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 314 - 315.

(2) _دلائل الإعجاز، ص 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت