وإذا رجعنا إلى اللغة العربية فإننا نجد هذين المستويين ظاهرين فيها من خلال ما سجل لنا علماء اللغة، وإن كان الكثير من خصائص لغة التخاطب لم تصلنا، وذلك لعدم وجود أجهزة لتسجيل الكلام. ولكن مع ذلك وصلنا بعض هذه الخصائص في كتب النحو العربي. ذكر سيبويه في كتابه قال:"سمعت من العرب من يقول: ألا تا، بلى فا، فانظر، أرادوا: ألا تفعلوا، وبلى فافعلوا، ولكنه قطع كما كان قاطعا بالألف في أنا" (3) . وذكر في مكان آخر قال:"حدثنا أبو الخطاب (4) أنه سمع بعض العرب وقيل له: لم أفسدتم مكانكم هذا؟ فقال: الصبيانَ بأبي، كأنه حَذِرَ أن يلام فقال: لُمِِ الصبيانَ" (5) .
فهذا ونحوه كثير يبين لنا كيف كان العرب يؤدون اللسان العربي في مخاطباتهم اليومية، بل كانوا يلجئون إلى مثل هذا الحذف في لغة الشعر، ذكر سيبويه ذلك، قال الشاعر وهو المسكين:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاَح
كأنه يريد: الزم أخاك (6) .
لكن وجود هذين المستويين في الكلام لا يعني أن لغة الشعر والخطابة والقرآن الكريم كانت بعيدة عن لغات التخاطب لدرجة يصعب على العامة أن تفهم هذه اللغة، مثلما هو الشأن عندنا اليوم، وهذا ما أخطأ فيه الكثير من الدارسين المحدثين كما قلنا، يقول الدكتور إبراهيم أنيس:"وفوق هذا لم يبين لنا ابن جني ما عنى بكلام الفصيح، أ لغة تخاطبه بين أبناء قبيلته تلك التي تخضع لصفات خاصة مميزة عن غيرها من القبائل، أم كان يعني لغة الأدب والشعر، وهي اللغة التي اكتسبت معظم صفاتها من لهجة قريش؟" (7)