فإبراهيم أنيس إذن يرى أن ابن جني أهمل هذا التوضيح، ولكن الحقيقة أن ابن جني انطلق من الواقع اللغوي العربي كما شاهده، وهو عدم وجود اختلافات بين لغة التخاطب ولغة الأدب، وما الاختلاف اللهجي إلا كيفيات مختلفة في أداء اللسان العربي. وقد قرر ابن جني نفسه أن الاختلافات اللهجية بين القبائل العربية كانت طفيفة جدا ف"هذا القدر من الخلاف على قلته ونزارته محتقر غير محتفل به ولا معيج عليه، وإنما هو في شيء من الفروع يسير، فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف فيه" (8) .
ويمكن أن نسوق مجموعة من الحجج لتبيان أن لغة التخاطب اليومي كانت عندهم هي نفسها لغة الأدب، إلا ما ذكرنا من الاختلافات الأدائية الطفيفة:
1.إن رواة اللغة حين قاموا بجمع اللغة لم يعتمدوا على لغة الشعر والخطابة والقرآن الكريم فقط، بل اعتمدوا أكثر من ذلك على لغة التخاطب اليومي عند القبائل الفصيحة، ورحلوا إلى البادية لمشافهة الأعراب الفصحاء وقضوا هناك السنين ذوات العدد، وكان من أبرز هؤلاء أبو عمرو بن العلاء وتلامذته الثلاثة: الأصمعي وأبو عبيدة وأبو زيد الأنصاري، وكذا الخليل بن أحمد الفراهيدي وابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني والكسائي وغيرهم كثير
2.كان اللسانيون العرب عامة يعتمدون على أعراب فصحاء في تقنين اللغة العربية مثل أبي مهدية وأبي خيرة والمنتجع والشجري الذي أخذ عنه ابن جني كثيرا، والروايات تدلنا على أنهم كانوا يشافهونهم في تخاطبهم اليومي العادي، ولم يكونوا ينقلون عنهم لغة الشعر والخطابة فقط.
3.لو كانت الفصحى لغة الأدب والطبقة الراقية فقط لما أخذ الرواة
من الأعراب الحفاة المنتجعين للكلإ، لأن هؤلاء الأعراب لا يمثلون الطبقة الراقية