الفصل الرابع
جواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد وإن تيقن الهلكة
نذكر هنا بعون الله تعالى صورا عدة ـ من السنة المطهرة وسير الصحابة - رضي الله عنهم - ـ لمجاهدين أقدموا على المهالك فقتلهم الأعداء، ثم نورد أقوال أهل العلم في ذلك، ثم نبين إن شاء الله تعالى أنه لا فرق بين هذه الصور وتلك التي ذكرناها من قبل:-
أ - صور من السنة المطهرة وسير الصحابة رضوان الله عليهم لمجاهدين أقدموا على المهالك فقتلهم الأعداء
1.روى مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى أنت سمعتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل [1] .
2.وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: (انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه، فدنا المشركون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري - رضي الله عنه: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمي بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل) [2] .
قال النووي في شرحه على مسلم 13/ 46: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز لا كراهية فيه عند جماهير العلماء"انتهى."
3.قصة أنس بن النضر - رضي الله عنه: بوب البخاري رحمه الله باب قول الله عز وجل {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} سورة الأحزاب، الآية: 23، وروى عن أنس - رضي الله عنه - قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لأرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من
(1) صحيح مسلم حديث رقم 1902.
(2) صحيح مسلم حديث رقم 1901.