الصفحة 20 من 59

بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إن طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين. انتهى، قال الجصاص: والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره إلى أن قال:

فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون} سورة التوبة، الآية: 111، وقال {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} سورة آل عمران، الآية: 169, وقال {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} سورة البقرة، الآية: 207، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله. اهـ [1]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى. اهـ [2]

ونقل عنه المرداوي: وذكر الشيخ تقي الدين أنه يُسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نُهي عنه وهو من التهلكة. اهـ [3]

قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة أحد: ومنها جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. اهـ [4]

وقال ابن حجر رحمه الله: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهنٌ بالمسلمين والله أعلم. اهـ [5]

قال ابن حجر: وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولوشق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن

(1) أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص، ج3/ 262 - 263، طبعة دار الفكر.

(2) مجموع الفتاوى، ج28/ 540.

(3) الإنصاف في معرفة الخلاف على مذهب الإمام أحمد للمرداوي، ج 4/ 125، ط السنة المحمدية.

(4) زاد المعاد، ج3/ 211.

(5) فتح الباري كتاب التفسير، ج8/ 33، شرح حديث رقم4516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت