النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ [1]
قال القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم يكن فيه قوة فذلك من التهلكة، وقيل إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّن في قوله تعالى {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ، وقال ابن خويز منداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة من العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يُقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفِيَلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنَّس به فرسه حتى ألِفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي يقدمها، فقيل: إنه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب .... قلت (أي القرطبي) : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: فلك الجنة، فانغمس في العدو حتى قتل [2] ، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال:(من يردهم عنا وله الجنة، أو قال هو رفيقي في الجنة) ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا) ـ وذكر رحمه الله كلام محمد بن الحسن السابق ـ ثم قال:
وعلى هذا ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} سورة لقمان، الآية: 17، وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله) .... إلى أن قال: قال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة رحمه الله: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين، فمن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله تعالى المؤمنين بقوله (إن الله اشترى) إلى قوله (بأن لهم الجنة) إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من
(1) فتح الباري، ج6/ 26: 29، شرح حديث رقم 2805.
(2) رواه مسلم كتاب الجهاد باب غزوة أحد.