بذل نفسه اهـ [1]
قال ابن عابدين في حاشيته في شرح قول صاحب المتن:"مطلب": إذا علم أنه يقتل يجوز له أن يقاتل بشرط أن ينكي فيهم وإلا فلا، بخلاف الأمر بالمعروف، فإن علم أنه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أُسر لم يلزمه القتال، قال: قوله لم يلزمه القتال يشير إلى أنه لو قاتل حتى قتل جاز، لكن ذكر في شرح السير أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل، إذا كان يصنع شيئا بجرح أو بقتل أو بهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم قال: فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر. اهـ [2]
ومن ذلك أيضا ما ورد عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن مريم عن العلاء بن سفيان الحضرمي غزا بسر بن أرطأة الروم فجعلت ساقته لا تزال تصاب فيكمن لهم الكمين فيصاب الكمين فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يومًا في بعض أودية الروم فإذا براذين [3] مربوطة نحو ثلاثين والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها فجعلت الروم تعجب من إغلاقه، فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منهم ثلاثة، وفقده أصحابه فطلبوه فأتوا فعرفوا فرسه وسمعوا الجلبة في الكنيسة فأتوها، فإذا بابها مغلق فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشيًا عليه فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا، فأقبلت عليهم الأسارى فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ قالوا: بسر بن أرطأة، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منها شيء ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه ثم خاطوه فسلم وعوفي [4] ، وبسر هذا من شجعان الأمة وأبطالها، قال يزيد بن أبي حبيب: كان بسر صاحب سيف ورب فتح قد فتحه الله على يديه.
د - بيان أنه لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه بيده أو أن يقتلها بفعل غيره
بينَّا فيما سبق أنه لا فرق بين من يتسبب في قتل نفسه بأمره ـ كما في حادثة الغلام ـ حيث قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال الملك: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.
أو أن يقتل نفسه بفعله ـ كما فعل أصحاب الأخدود ـ حيث ألقوا أنفسهم في النار اختيارا، أو يُقتل بفعل غيره ـ كما في حمل
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج2/ 364، ط مؤسسة مناهل العرفان: بيروت، والحديث رواه الحاكم والضياء عن جابر - رضي الله عنه - بلفظ (سيدالشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ورواه الطبراني في الكبير عن علي - رضي الله عنه - بلفظ قريب من هذا.
(2) رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، ج3/ 222.
(3) البرذون: الدابة (أنظر مختار الصحاح للرازي)
(4) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق، وذكره ابن حجر في تهذيب الكمال.