الصفحة 23 من 59

الواحد على الجيش الكثيرـ كل هؤلاء ممدوحون مثابون إذا كان هذا من أجل مصلحة الدين وإعلاءً لشأنه، وهذا يبين أنه لا فرق بين أن يقتل الإنسان نفسه، أو ينغمس في صف العدو فيقتله أو يأمر الإنسان غيره بقتله إذا كان ذلك لمصلحة إعزاز الدين.

وسنسرد لبعض ما ورد في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه متى خلصت نية المجاهد في جهاده لتكون كلمة الله هي العليا فلا فرق في أن يقتل في جهاده بيد عدوه أو بيده أو يسقط من على دابته فتدوسه الخيل أو غير ذلك:

-ما جاء في قصة عامر بن الأكوع - رضي الله عنه - عن أخيه سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أنه قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ... الحديث"إلى أن قال:".. فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرًا فتناول به ساق يهودي ليضربه ورجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاحبًا وهو آخذ بيدي قال: (ما لك؟) قلت له: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، قال - صلى الله عليه وسلم: (من قاله؟) قلت: قاله فلان وفلان وأسيد بن الحضير الأنصاري، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كذب من قاله، إن له لأجرين وجمع بين إصبعيه إنه لجاهد مجاهد) [1] ، ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن من قُتِل في سبيل الله فهو مجاهد وشهيد سواء قُتِل بيد عدوه أو بيده.

-وعن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلًا منهم فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أخوكم يا معشر المسلمين) فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: (نعم وأنا عليه شهيد) [2] , فهذه شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه شهيد رغم أنه قتل بيده وليس بيد عدوه.

-ومما يقوي هذا المعنى ما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله في كيفية أخذ العدو"عكا"من يدي السلطان حيث قال:

"لما اشتد حصار الفرنج .. والإنكليز .. لعنهم الله لمدينة عكا، ونصبوا عليها سبعة منجانيق، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثرت به أثرا بيِّنا، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة ومن قتل منهم ومن مات أيضا ردموا به، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر وتلقى ملك الإنكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية، وكان بالبطشة ستمائة من المقاتلين الصناديد الأبطال فهلكوا عن آخرهم رحمهم الله، فإنه لما أحيط بهم وتحققوا إما الغرق أو القتل خرقوا جوانبها كلها فغرقت ولم يقدر الفرنج على أخذ شيئ منها لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما، فإنا لله وإنا إليه راجعون". اهـ [3]

(1) رواه البخاري ومسلم و قال ابن حجر في الفتح: قَالَ اِبْن دُرَيْد: رَجُل جَاهِدٌ أَيْ جَادٌّ فِي أُمُورِهِ، وَقَالَ اِبْن التِّين: الْجَاهِدُ مَنْ يَرْتَكِب الْمَشَقَّةَ، وَمُجَاهِدٌ أَيْ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ..

(2) رواه أبو داود والبيهقي, وبوب عليه أبو داود باب في الرجل يموت بسلاحه، وابن أبي عاصم باب: الرجل يضرب بسلاحه العدو فيرجع عليه فيموت شهيد.

(3) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، ج12/ 342، 343. مكتبة المعارف: بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت