الفصل الخامس
خروج من قتل نفسه لمصلحة الدين عن النهي الوارد في قتل النفس
نقل ابن حجر رحمه الله في شرح باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، عن المهلب: أن قوما منعوا من اختيار القتل على النطق بكلمة الكفر واحتجوا بقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} الآية، قال المهلب: ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما} فقيده بذلك، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا، وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد. اهـ [1] .
وذكر النووي رحمه الله ما كانت الصحابة عليه من حب الشهادة والحرص عليها، ومنها إلقاء النفس في غمرات القتال، وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها [2] .
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال - صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل [3] .
وعن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال - صلى الله عليه وسلم: (أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا) ، فنزع درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا [4] .
وفي الحديثين دلالة واضحة على جواز الاقتحام على جموع الأعداء وإن علم المقتحم أنه مقتول، فقد انغمس الصحابيان رضي الله عنهما بإذن النبي وإقراره وكان أحدهما حاسرا، مع علمهما أنهما ولابد مقتولين.
وعن معاذ بن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال - صلى الله عليه وسلم: (غمسه يده في العدو حاسرًا) قال: فألقى درعًا كانت عليه وقاتل حتى قتل [5]
وهذا الحديث وما بعده في معناه أدلة واضحة على فضل الأعمال الجهادية التي يغلب على الظن هلاك صاحبها، وأن
(1) فتح الباري، ج12/ 330
(2) شرح النووي على صحيح مسلم ج12/ 186ـ 187
(3) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
(4) رواه ابن إسحاق في السيرة والطبري في التاريخ، وذكره ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة، ورواه ابن أبي شيبة من قول معاذ بن عفراء.
(5) رواه ابن أبي شيبة وقال ابن النحاس: كذا جاء في رواية ابن أبي شيبة عن يزيد، والمشهور في سيرة ابن إسحاق وغيرها أن الذي فعل ذلك عوف بن عفراء أخو معاذ بن عفراء أمهما وعوذ ومعوذ أخواهما والكل من عفراء، وأبوهما الحارث بن رفاعة النجاري بدري، والله أعلم.