الجهاد له أدلة خاصة تجيز ما كان ممنوعا في غيره [1] .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عجب ربنا من رجلين، رجل ثار عن وطأته ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطأته من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه وعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع، فرجع حتى يهريق دمه فيقول الله: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى يهريق دمه) [2] ،قال ابن النحاس رحمه الله: ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس والله أعلم.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانه) [3] ، وهذا الحديث دليل على أن ابتغاء القتل والبحث عن الشهادة أمر مشروع وممدوح منفردًا.
والخلاصة أن قتل النفس ليس كله محرم، وأن تحريم قتل النفس ليس معلقًا بالقتل ذاته، بل إنه معلق بالأسباب الدافعة له، فمن قتل نفسه بسبب ضعف إيمانه أو انتفائه فهو منتحر، ومن قتل نفسه بسبب قوة إيمانه وفداءً للدين وحبًا لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهذا فاعل للمأمور به كالغلام عندما أعانهم ودلهم على قتل نفسه، لأنه لا فرق عند جمهور العلماء بين المباشر والمعين على القتل كما سيتضح في الفصل العاشر بمشيئة الله.
(1) أنظر (هل انتحرت حواء أم استشهدت؟) للشيخ يوسف العييري.
(2) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح وحسن الهيثمي إسناده، ورواه أبو داود والحاكم مختصرًا وقال: إسناده صحيح.
(3) رواه مسلم ورواه أبو عوانة في مسنده 5/ 59 بلفظ (يأتي على الناس زمان أحسن الناس فيهم، رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع بهيعة استوى على متنه، ثم طلب الموت مظانه) .