الفصل السادس
خروج من عرّض نفسه للقتل في سبيل الله عن إلقاء النفس في التهلكة
تقدم بيان جواز حمل الرجل الواحد على العدد الكثير من العدو، وجواز قتل النفس لمصلحة إعزاز الدين، ونذكر هنا أيضا أن من عرض نفسه للقتل في سبيل الله تعالى فلا يدخل في النهي الوارد عن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة.
قال ابن حجر رحمه الله: وروى ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: إني لعند عمر فقلت: إن لي جارا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبوا، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا. اهـ [1]
وأخرج مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلا، فصاح الناس سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله هذه الآية فكانت التهلكة الإقامة التي أردناها [2]
وقد قال ابن حجر رحمه الله في قصة أنس بن النضر - رضي الله عنه - والتي أوردناها سابقا: من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء في التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والورع وقوة اليقين. اهـ [3]
(1) راجع فتح الباري، كتاب التفسير شرح حديث رقم4516.
(2) رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم.
(3) فتح الباري، ج6/ 26: 29، شرح حديث رقم 2805.