الصفحة 32 من 59

الفصل السابع

فضل الصبر- لمن أيقن الأسر- والقتال حتى الموت ورفض الاستئسار

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة رهطا عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة وهو بين عسفان ومكة ذُكروا لبني لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا أثرهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد [1] وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فو الله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم خَبِّر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم [2] فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ـ وذكر قصة قتل خبيب ـ إلى أن قال: استجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه خبرهم وما أصيبوا [3] .

قال الشوكاني رحمه الله في شرح الحديث: ووجه الاستدلال بذلك أنه لم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر ما وقع من الثلاثة المذكورين من الدخول تحت أسر الكفار، ولا أنكر ما وقع من السبعة المقتولين من الإصرار على الامتناع من الأسر، ولو كان ما وقع من إحدى الطائفتين غير جائز لأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بعدم جوازه وأنكره، فدل ترك الإنكار على أنه يجوز لمن لا طاقة له بعدوه أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر. اهـ [4] .

وقد نصّ الشّافعيّة على شروطٍ يلزم توافرها لجواز الاستئسار هي: أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال، وألاّ يكون المستسلم إمامًا، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة, والأولى - كما نصّ عليه الحنابلة - إذا ما خشي المسلم الوقوع في الأسر أن يقاتل حتّى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر [5] .

وقال الخطابي رحمه الله في شرح الحديث: وفيه من العلم: أن المسلم يجالد العدو إذا أُرهق ولا يستأسر له، ما قدر على الامتناع منه. اهـ [6]

وذكر ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن من نفسه، ولو قتل أنفة من أن يجري عليه حكم الكافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس

(1) فَدْفَدْ: أي الرابية المشرفة (أنظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 25 / ص 407.

(2) (أَوْتَار قِسِيّهمْ: أَوْتَار جَمْع وَتَر، وَقِسِيّ جَمْع قَوْس) عون المعبود ج 6 / ص 93, وكذا في عمدة القاري شرح صحيح البخاري.

(3) رواه البخاري كتاب المغازي حديث رقم 4086، ورواه أبو داود وابن سعد.

(4) نيل الأوطار، ج7/ 253: 255. ط دار الكتب العلمية: بيروت.

(5) الموسوعة الفقهية (أسر- مسألة رقم55)

(6) معالم السنن للخطابي، ج4/ 9، ط دار المعرفة: بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت