فأجاب رحمه الله: إذا كان كما تذكرون فيجوز، ومن دليله (آمنا برب الغلام) وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة وهو مقتول ولابد. اهـ [1]
وقوله رحمه الله: وقول بعض أهل العلم: إن السفينة .... إلخ، يشير إلى مسألة احتراق السفينة في البحر هل لركابها أن يلقوا بأنفسهم في الماء اختيارا للغرق على الحريق أم لا؟ وقد جاء في المدونة للإمام مالك: قلت ـ والقائل هو سحنون يسأل شيخه ابن القاسم تلميذ الإمام مالك ـ أرأيت السفينة إذا أحرقها العدو فيها أهل الإسلام أكان مالك يكره لهم أن يطرحوا بأنفسهم؟ وهل يراهم قد أعانوا على أنفسهم؟ قال: بلغني أن مالكا سئل عنه فقال: لا أرى به بأسا إنما يفرون من الموت إلى الموت .... اهـ [2]
قال ابن قدامة: وإذا ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء أنفسهم في الماء فالأولى لهم فعله، وإن استوى عندهم الأمران فقال أحمد: كيف شاء صنع، وقال الأوزاعي: هما موتتان فاختر أيسرهما [3] ، وقد ذكرنا من قبل ما حكاه الحافظ ابن كثير عن المجاهدين الستمائة الذين أغرقوا سفينتهم وغرقوا جميعا حتى لا يقعوا في الأسر ولا يظفر الأعداء بعدتهم (( أنظر الفصل الرابع الفقرة د ) ).
وأما قول الشيخ محمد بن إبراهيم: إلا أن فيه التوقف من جهة قتل الإنسان نفسه، ومفسدة ذلك أعظم من مفسدة هذا، فالقاعدة محكمة، يدل على فقهه رحمه الله حيث غلب مفسدة إفشاء أسرار المجاهدين على مفسدة قتل النفس، والقاعدة تقول"إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أدناهما".
فتوى الشيخ حسن أيوب:
قال الشيخ حسن أيوب رحمه الله: الأصل في قتل النفس أنه حرام من الكبائر ـ و ذكر أدلة ذلك ـ ثم قال: فقاتل نفسه يعذب يوم القيامة عذابا شديدا، وهذا القتل يعتبر تعديا لحدود الله وظلما عظيما للنفس التي حرم الله قتلها إلا لأسباب شرعها الله، ويعتبر فاعله ساخطا على قضاء الله وقدره وغير راض بحكم الله فيه لذلك أسرع فتخلص من ألمه بقتل نفسه، وهذا النوع هو المسمى بالانتحار وحرمته لا شك فيها.
ولكن هناك حالات يقع فيها المقاتل أو الفدائي تحت أيدي عدوه، فيقوم عدوه بتعذيبه أشد أنواع التعذيب، سواء بالإحراق بالنار أو بتقطيع أجزاء من جسده أو بنفخه أو بتعليقه من خطاطيف مدلاة من السقف من رجليه بحيث يكون رأسه إلى أسفل أو بتسليط الكهرباء عليه من وقت لآخر إلى آخر هذه الأنواع التي صارت سمة كلاب العصر الحديث، والتي اخترعها
(1) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص 208، فتوى رقم 1479.
(2) المدونة للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد، ج2/ 25.
(3) المغني، ج 8/ 487. ط مكتبة الرياض الحديثة.