المفارقة التصويرية
في شعر مهيار الديلمي
م. د. عامر صلال الحسناوي
جامعة المثنى - كلية التربية
قسم اللغة العربية
المقدمة:
ترجع أصول هذا الأسلوب والوسيلة الفنية إلى البلاغة العربية (1) ، التي انصب اهتمامها على لون من التصوير البديعي القائم على مبدأ متضاد سواء أكان في شكله البسيط (الطباق) أم في صورته المركّبة (المقابلة) ، ومن المعلوم أنّ هذا المبدأ يقوم على الجمع بين المتضادات اللفظية في بيت أو عبارة واحدة ليس إلاّ، من دون الاشتراط المقيّد بوجود تناقض واقعي عميق بين تلك الألفاظ والعبارات في السياق، على اعتبار أنّ الطباق- أو المقابلة- ما هو إلاّ محسّن شكلي جزئي هدفه التحسين البديعي الذي لا يتجاوز مداه عبارة الأديب (2) ، ويرى ميويك (D.C.Muecke) أنّ المفارقة قد ظلّت لأكثر من قرنين من الزمن تعدّ (( صيغة بلاغية بالدرجة الأولى ... - و- صار تعريف الكلمة:"قول المرء نقيض ما يعنيه"أو"أن تقول شيئًا وتقصد غيره"أو"أن تمدح لكي تذم وتذم لكي تمدح"أو"سخرية وهزء". ثم صارت تستخدم لتفيد التظاهر، حتى ما لا ينطوي منه على مفارقة، أو تخفيف القول، أو المحاكاة الساخرة ) ) (3) .
ولعلّ هذه التعددية المعنوية تفضي إلى ان تتجاوز المفارقة في شعر مهيار الديلمي السمة الأسلوبية لتصبح أسًّا قارًّا في كينونته النفسية والثقافية، ورؤيته لواقعه المعيش، ووسيلة ايحائية لأبعاد تجربته الشعرية؛ نظرًا لما تكتنفه المفارقة بوصفها أسلوبًا فنيًا وظاهرة لغوية من كثافة شعورية تعبيرية عالية تستغور خفايا النفس وتستشرف آفاق التأثير الجمالي والالتذاذ الفكري والشعوري (4) ، وفي محاولة منا للإلمام بأبعاد تلك
التجربة فقد ارتأينا أن تقوم هذه الدراسة على مقدمة وثلاثة محاور: تناول أولها عناصر المفارقة القائمة بين صاحب المفارقة والضحية والموقف الذي يجمعهما معًا، واختص ثانيهما ببيان أنماط المفارقة الفنية في وجهتها الغربية التي نظّر لها ميويك، في حين جاء ثالثها بمعطى تراثي-معاصر ذي اصول عربية ممثلة بما حدّه د. علي زايد عشري من أنماط تكاد تكمل ما بدأه ميويك، وقد أخذ الباحث على عاتقه البحث عن مصاديق هذه الأنماط بشقيها الفني-التراثي في شعر مهيار الديلمي، وكانت الخاتمة إجمالاَ لما خلُصت اليه تلك المحاور من نتائج.
وقبل الشروع في الجانب التطبيقي لموضوعة البحث الاساس نودّ التنويه الى مسألتين:
أولهما: كي لا نبخس الناس أشياءهم، فقد يجد المتلقي تقاربًا في الآلية التنظيرية وتماثلًا في المفهوم- لاسيما ما يتعلّق بدلالات المفارقة بأنواعها المختلفة التي اكتنفتها صفحات البحث- مع ما تناوله أحمد كمال غنيم في مفارقته التصويرية لشعر أحمد مطر؛ ولعلّ عدم تصرّف غنيم كثيرًا في تلك الدلالات، بل يكاد يكون أقتباسه لها نصيًا من دراستَي ميويك وعلي زايد عشري- ويمثّلان الجذوة الأولى لهذه الخصيصة الأسلوبية ولكلّ دارسٍ للمفارقة- يضاف إلى ذلك اعتماد غنيم وخدنه الباحث على مصادر المفارقة عينها قد أوجدا بؤرة المقاربة الموما إليها، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ لكلٍّ منهما معالجته الخاصة والمختلفة تمامًا عن بعض مع ابتعاد في النتائج التي خلُص إليها الباحثان، وهذا الأمر يكاد يكون بدهيًا؛ لاعتبارات الشخصية موضوعة البحث من جهة، واقتصار غنيم على المنهج الفني في