الصفحة 4 من 16

يجده يطابق تجربة بعينها قد ألمّت به أو يشابه موقف ما قد مرّ به آنفًا، ومن ثم فهذا التطابق ينمّ عن حيادية مهيار وعدم تدخله في الصورة-نوعًا ما- بنقدها سلبًا أو ايجابًا، فهو يضع الأمر بين يدي المتلقي، وكأن الأمر لا يعنيه ويكتفي بموقف المشاهد المتعجب في قوله: (حسبي) ؛ إذ إنّ المفارقة تتسم (( جوهريًا بإمكانية عدم الإدراك، ولكي تتسم جملة ما بالمفارقة لابدّ أن تكون هنالك مجموعة من القرّاء يأخذونها حرفيًا ويجهلون تمامًا كونها مفارقة ما ) ) (25) .

في حين يتمظهر آخر العناصر في المفارقة وهو العنصر الجمالي في أكثر من صورة: في اكتمال الصورة الكلية المعتمدة على تحقيق أكبر قدر من التركيز والتكثيف، وفي استعماله للبناء الدرامي القائم على السرد القصصي، وفي لغة مهيار السهلة المعبّرة عن المعاني العميقة، فضلًا عن وضوح الرموز [ابن دأية/الغراب] و [السِّيد/الذئب] ، وتناسق موسيقى القصيدة مع الموضوع وخصوصًا قافية القصيدة التي جاءت على حرف (الدال) وهو من الحروف التي تضم المفارقة بين طياتها الدلالية (26) ، إذ إنّ من (( خصائص حرف الدال اللين والنعومة والغضاضة ... وربّما عادلوا في بعض الحروف أي راعوا فيها الاكثار من النقيض فإنّ حرف الدال يشتمل أيضًا على ألفاظ كثيرة تدل على الصلابة والقوة والشدة ) ) (27) ، فضلًا عن حركة القافية وهي الكسرة التي إذا ما تأوّلناها فقد تدلّ على كسر حالة التوقّع وإحداث الصِّدام المثمر لدى المتلقي الذي أشرنا له.

وإذا ما اكتملت عناصر المفارقة السالفة في نصٍّ ما وهو ما لمسنا تضافرها جمعاء في المقطوعة السابقة، فإنّها سرعان ما تنفسح لظهور التكنيك الفني للمفارقة التصويرية (28) بشكل جلي من خلال ابراز مهيار للتناقض بين طرفين متقابلين يتمثلان في الواقع المزيّف لهؤلاء المتجاهلين الذين يغشاهم الشاعر في النوائب فيهرعون عنه عدو الذئب من جهة، والحقيقة المُرّة لهم إذ يحجلون معه كالغراب عند الرخاء، فيَهوُون سماع أشعاره لكن دون أن تندّ ايديهم بعطاء ما، ويرجون فضله فإذا ما حصلوا على مرادهم منه همّوا بطرده، فمهيار مع هذه الفئة من ناكري الجميل أشبه بالجمل الذي يحمل الذهب والنفائس على ظهره وليس له فيها من شيء خلا التعب والمشقة، وهذا ما يستنكره الشاعر من تناقض في تلك الفئة داعيًا ايّاه إلى الصحوة على واقعها وردّ الجميل إلى أصحابه والاعتراف بفضله.

وهكذا يظل مهيار منطويًا على مفارقات لافتة على مستويات التعاقب والتزامن معًا، مقترنة بتصارع الأضداد داخل كونٍ متميز حيث اقتران التوتر بالتحول فيه، وازدواج التناقض والصراع، مع تداخل الواقع وما بعد الواقع الامر الذي يفضي الى أن تنطق الحقيقة فيه لغة الرمز، والرمز بدوره ينطق لغة الاسطورة حتى يرقص العقل مع الجنون لتؤول هذه العناصر الى التحابّ داخل هذا الكون الفسيح، وفي الآن نفسه يعمد بعضها الى تدمير بعض؛ لتنحلَّ الى تعارضات متوالدة من رحم تعارضات سبقتها في صورة تجمع بين النقيضين (29) .

المحور الثاني: المفارقة النصية(الفنية):

المراد بهذا اللون من المفارقة هي ما تُحدث تغييرًا في مضمون بنية النص الشعري سواء أكان على صعيد البيت الواحد أم مجموعة الأبيات المتواشجة في حمل دلالة واحدة معينة، وقد عمدنا إلى وسمها بالنصية/الفنية؛ لأنّها ذات عُلقة وثيقة ببنية النص فحسب ولا شيء سواه من الخارج أو ممّا يحيط بالنص من ظروف وضغوطات سياسية أو اجتماعية أو نفسية يتعرّض لها الشاعر فتنسحب مؤثرات تلك الضغوطات على نتاجه الإبداعي، وهنا سينتقل الأثر المفارق من النص إلى السياق- أي المحيط الخارجي للنص ومبدعه- وهذا ما سنلحظه في المحور الثاني.

لقد كانت المفارقة إحدى الوسائل الفنية التصويرية التي استعان بها مهيار لتجسيد أبعاد رؤيته المركبة لواقعه المعيش وإخراجها من نطاق الذاتية المجردة إلى نطاق الموضوعية الحسية من خلال الإلحاح على إبراز التناقضات المختلفة التي تخامر طوايا الذات أو تتراءى في أطراف الواقع المعيش لشاعرنا، فمهيار (( متمرّد يعيش رافضًا عصره ... وعانى من هذا الرفض، فلاحقته لعنة الاتهام وسوء الظنّ غير مرّة ) ) (30) ، واتكاء المفارقة على عرض المتناقضات أو المتقابلات بشكل كبير يعني ثمة غير سبيل من الأساليب الفنية لتوظيفها في النص، وقد نظر ميويك في تقسيمه لأنواع المفارقة إلى صاحب المفارقة وضحيته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت