فجعلها على أنواع عدة أهمها: مفارقة الاستخفاف بالذات، المفارقة اللاشخصية، المفارقة غير اللفظية، المفارقة بالتشابه، مفارقة الفجاجة، المفارقة الدرامية، المفارقة غير الواعية، مفارقة الاحداث، المفارقة الكونية، مفارقة التنافر، مفارقة الاعتماد المتبادل، المفارقة المزدوجة، مفارقة الكشف عن الذات، والمفارقة الرومانسية (31) ، في حين صّنفها د. علي زايد عشري إلى نمطين أساسيين هما: المفارقة ذات الطرفين المتعاصرين، والمفارقة ذات المعطيات التراثية (32) ، وهنا سيحاول الباحث استقصاء أبرز تلك الأنواع التصويرية للمفارقة وأساليبها الفنية التي وظّفها مهيار وتعكس مدى اهتمامه بالنص لاثبات تفرّده ومفارقته (33) ، وخدمةً لتجربته الحياتية الشعرية المميزة.
أول تلك الأنواع (المفارقة اللاشخصية) التي (( لا تستند إلى أي وزن يمنح لشخصية صاحب المفارقة ... يتميّز هذا النمط من المفارقة عادة بجفاف أو صرامة في الأسلوب، وتكون النبرة نبرة متكلّم عاقل ينطلق على رسله، متواضع غير عاطفي ) ) (34) ؛ إذ يستتر صاحب المفارقة خلف قناع كلماته المعارضة للواقع المألوف، ولعلّ هذه السمات نجدها شاخصة في مفارقة زمانية ينقّب من خلالها مهيار عن الخلّ الوفي، والصديق الصدوق (35) :
إذا ذهب الوفاء من الزمان
فكيف يعاب بالغدر الغواني
نسامح دهرنا العاصي علينا
ونطلب طاعة الحدق الحسانِ
ونرجو الامن من حيث الامن خوف
ونحن نخاف في دار الأمانِ
حبيبك من بنى هذي الليالي
هما من طينة متصلصلانِ
وما لوناهما إلاّ وفاقُ
وان برزت لعينكَ صبغتان
لقد لبس مهيار قناع الـ (نحن/جماعة المتكلمين) وترك لكلماته المتناقضة مع الواقع أن تكشف عمّا يصوّره من مفارقات نحو: مسامحة العاصي، وإنّ الأمن خوف، والخوف أمن، وتوافق الاختلاف، ولعلّ التضاد بين المظهر والمخبر أول عناصر المفارقة التي نطالعها في هذا النص؛ إذ كان تساؤله منطقيًا حول مؤاخذة الغواني بجريرة الغدر، والزمان جلّه قائم على الغدر والعصيان وعدم الوفاء ومع كلّ جرائره تلك نقف إزاءه متسامحين على الرغم من قسوته وجبروته، في حين نجبر الرقّة ونرغم القوارير على الخضوع والطاعة، وهذه المفارقة في الأفعال ناجمة عن الخوف من الاثنين (الزمان/المرأة) حيث يستدعي مهيار في ذهن المتلقي أكثر من صورة للواقع خصوصًا ما يتعلّق بالمرأة التي خلقها الله تعالى من الرجل لتكون له بمنزلة المعين على مصالحه المعيشية، والمؤنس في وحشته وهمومه، إلاّ انّ اقترانها أحيانًا بشيطنة الزمان يجعل منها بلاء الرجل وهمّه ووحشته ونحسه، ويكون هلاكه على يدها، وعليه فيكون الركون إلى أحدهما الزمان /المرأة بوصفه ملاذًا أشبه بدخول أمرئ أعزل إلى عرين الأسد، فيكون فريسة القسوة والجور للزمان، وفريسة الأنوثة الخائنة للنساء فهن حبائل الشيطان، فكلاهما مجبولان من طينة الغدر، ومطليّان بصبغة الخيانة، وعليه فـ (( أجهل الجهالة وأضل الضلالة صبر الفتى الأديب على غدر الحبيب فانّ الصبر على الخيانة والغدر يضع من المروءة والقدر، ... فلا ينبغي لأحد أن يذل لهواه فَيُشمِتَ بنفسه أعداه ولا يركن إلى واحدة من النساء الحرائر والإماء فكلهنّ في الغدر سواء وما لواحدة منهنّ عهد ولا وفاء ) ) (36) ، زدْ على ذلك أنّ جعل نصف المفارقة في النص السابق مكشوفًا وواضحًا مع نهاية الصورة والمتمثّل بـ (المرأة) بدليل عبارة (حبيبك) ، وإخفاء النصف الثاني أو خمول صوته-أي الزمان- ما هو إلاّ جزء من الغاية الفنية لدى مهيار- صاحب المفارقة- ومن ثمّ فكشف المناورة بين الجزئين واستلطافها يمثل الجزء الاكبر من متعة المتلقي (القارئ) (37) .
وقد تتخذ المفارقة التصويرية سبيل (مفارقة الاستخفاف بالذات) وهنا يلبس مهيار قناعًا ذا أثر ايجابي أشبه بتقمّص شخصية متناقضة تتصف بالجهالة المشوبة بالجدّية، والحماس المفرط المشوب بالسذاجة، فيعرض الشاعر نفسه وكأنّه أقل ذكاءً من محدِّثه من خلال التقليل من قَدره، مستغلًا ما يعطيه من انطباع عن نفسه ليكون جزءًا من وسيلة المفارقة، ويفعل ذلك بطريقة تكشف إدعاءات محدِّثه (38) ، ويمكن أن ندرك هذا الحطّ من قيمة الذات في قوله معرِّضًا بالنجباء من ممدوحيه (39) :