أهنتُ شعري أبغي الرزق من نفرٍ
تسبيحُ أسمحهم: يا مال لا تَهُنِ
فدارس الفهم وحشي أخاطبه
كأنّني خاطبُ في دارس الدمنِ
وغافل لي، صوت المدح يطربه
بلا ثواب، فيرضى بي ويسخطني
بذلتُ عرضي لأعراضٍ أسيرها
فيهم، فنبههم بذلي وأخملني
قد كان من حقِّ مثلي أن يعزّ، وإذ
قد بعتُ نفسي فوفِّر منعمًا ثمني
أمثل بضبعي من الحال التي لعبت
بماء وجهيَ لعِبَ الماء بالسفن
تتضح ثيمة الاستخفاف بالذات الساذجة المفعمة بالحماس من خلال إهانة مهيار لشعره عند غير مستحقيه وبذل عرضه دونهم، فضلًا عن ابتياع النفس وإراقة ماء الوجه بين أيديهم في حين كان يُمنّي النفس بالعزّ والعيش الكريم، فإذا الخمول والذلّ والخسران كان نصيبها، وهكذا فقد شكّلت هذه الانطباعات النفسية أساس المفارقة التي من خلالها راح يلحّ على صورة البخل والشحّ لهذا النفر المدّعي بالكرم وإنصاف الغير من خلال تسبيحهم وتظاهرهم بقلّة الفهم حتى غدا كأنّه يخاطب فيهم آثارًا عفّتها الرياح، فالحديث معهم كالنفخ في الشبك؛ إذ يتغافلون عن العطية وهم يهشّون طربًا لشعره، ويصل الاستخفاف بالذات إلى الذروة فبدلًا من المجابهة والمطالبة بحقّه نجد مهيار يلجأ إلى الدعاء، والمفارقة تقع حتى في دعائه؛ إذ يتوجّه به داعيًا على نفسه بالهلاك بدلًا من الدعاء على من ابتذلوا كرامته وحطّوا من قدره.
في حين ينسحب مهيار من (مفارقة الكشف عن الذات) تمامًا تاركًا وراءه شخصية أو شخصيات تمثّل الضحية، فتجلب على نفسها مفارقات من دون وعي منها، وتتصف بالعمى في كبرياء، والثقة في حمق (40) ، نحو قوله بأحد المغرّر بهم من حسّاد ممدوحه عميد الكفاة أبي سعد (41) :
ونمّت قلوب كاتمات بسرها
وطالعَ داءٌ في الضلوع دفينُ
وحدّث فيها بالفكاك ضميره
أسير ببغضاء الكرام رهينُ
خبيث المطاوي شره دون خيره
إذا اغتبط الأحرار فهو حزينُ
نزى نزوة الأفعى فعاقه
طريق بران الرقاة دخينُ
ومرتصد ذو كلبتين بفيهما
إلى نابه وهو السمام حنينُ
تمنّى تمامًا فيكم وهو ناقص
وطاولكم بالكبر وهو مهينُ
ولم يدرِ أنَّ الزند أملس ليّنًا
يمسُّ، وجسم النار فيه كمينُ
تطرّف يبغي الصدر حول بيوتكم
وشرُّ مكانٍ للقنيص عرينُ
وناطح منكم صخرة لا يزلّها
من الرأس وحفُ الوفرتين دهينُ
وكما نرى فشخصية مهيار مضمحلّة تمامًا من النصّ، فـ (( الضرورة الدرامية للموقف واللغة المجازية التي تعمل بطريقة غير مباشرة، وهي سمة الشعر الناضج ووسيلة القصيدة في تحقيق وحدتها البنيوية العضوية، ثم"لا ذاتية"أو لا شخصية الشاعر ) ) (42) قد أملت بانهيال المفارقات على رأس ذلك العدو المغرّر به (الضحية) ، ويتضح عدم وعيها من أول الكلام المفعم بالتناقض فقد أدلت القلوب بنميمة ما تضمره الضحية-العدو الحاسد- من مكائد، وأطلعت السرّ الدفين، ولو قُدِّر لنا إبدال لفظة (قلوب) بـ (شفاه) -مناسبة للوزن- لغدت الضحية واعية لتصرفاته حذرة في أفعاله، لكن عدم الوعي لها تأكّد أكثر في حديث (الضمير) الذي أطلق سراح ما تخطّط له الضحية التي لا تزال أسيرة بغضها للممدوح وتتحيّن فيه الدوائر، ويمعن مهيار في رسم صورة ضحيته غير الواعية من خلال التعويل على ما يعرف عند أرباب البلاغة بـ (تجاهل العارف) (43) لعدم درايتها بأنّ هذا الزند الرقيق للممدوح تتوارى خلفه ألسنة من القوة الملتهبة والسطوة، فأخرج مهيار ما تعرف الضحية صحته مخرج ما يشكّ فيه ليزيد بذلك تأكيد عدم الدراية والوعي، وبالنظر إلى كلّ هذه المعطيات المتضادة فالذي يتأكد لدينا هو عمى الضحية المشوب بالكبرياء، فضلًا عن ثقتها المفرطة المشوبة بالحمق، الذي ندركه في ابتغائها الصيد والقنص قرب عرين الأسد، أو كناطح صخرة وهذه مفارقة مركبة، أي جزئية داخل المفارقة الكلية، فالضحية تناطح الصخرة-الممدوح- وحتى مناطحتها تلك كانت من دون قرنين أو أي وسيلة أخرى تقي رأسها وهذا هو الحمق بعينه، وهنا