القُبلة من المحارم وهي بمنزلة الزنا وحرمتها كحرمة شرب الخمر، وأما كبر السن وما يلحق به من مشيب ووقار يتنافى مع واقع الغزل وتبادل مشاعر الغرام والعشق في تلك البيئة وهذا الفارق العمري، ثم تصل نهاية هذه العقدة الدرامية إلى الانحلال بإذعان الضحية إلى الأمر الواقع وإطاعة إباءها وعودة الامور إلى نصابها واعتدال الأشياء وإقامتها، وتنتهي هذه الحبكة الحدَثية باستفهام يتكتم بين جوانحه مفارقة التنافر البسيط، يوجّهه الشاعر الضحية إلى صاحبيه عن سبب راحته الآن وبرود كبده: [أمات الهمّ أم عاش السرور] أي همّ الحب الذي ردعته الحبيبة مباشرة فمات في قلبه، وأما سروره فمتأتٍ من موقفه ذي المسحة العربية الأصيلة المتمثلة بإبائه وأنفته فهو لا يقبل على نفسه أن تُقدم على رافضيها والمحجمين عنها.
المراد بهذا اللون من المفارقة ما يحصل على صعيد التركيب الشكلي، أي البناء العمودي للقصيدة التقليدية بفعل ملابسات خارجية محيطة بالمبدع ونتاجه ومن ثم تركت أثرًا واضحًا وقع على عاتق النص، وإن كان لايمكن التنصّل عن تلك الملابسات ومنعها من إحداث أدنى تغيير في البنية النصية لمجموعة أبيات لا بيت مفرد وهذه العلامة الفارقة الأولى عن المفارقة النصية، ومن ثم قيام تلك المفارقة على صعيد المقابلة في مستويين: أولهما تراثي، وثانيهما معاصر، وهذا ما سوّغ لنا بوسمها بالمفارقة السياقية كونها تبحث في معطيات تدور خارج النص الشعري وهذا ديدن المناهج السياقية (التاريخي، والاجتماعي، والنفسي) ، وقاربها د. علي زايد عشري في لجوئه للمفارقة حين وزّعها على نمطين رئيسين- من حيث مقابلة كلّ طرف من طرفي المفارقة بنقيضه- أحدهما معاصر والآخر تراثي، فأما المعاصر فهو على شكلين: فتارة يأتي الشاعر بكل طرف على حِدة مكتملًا بجميع عناصره ومقوماته ومن خلال مقابلتهما مع بعض تحدث المفارقة تأثيرها، ويبدو التناقض جليًا (58) ، وهذه الصورة نلمسها في قول مهيار (59) :
لأبي الحسين يد إذا حلبت
غدت السماء بكيّة الرسلِ
لا يغبط الدينار يحمله
وينوء بعدُ بأثقل الحملِ
طبعت من البيضاء غرّته
وبنانه من طينة البذلِ
نصب الحقوق على مكارمه
حكما يريه الفرض في النفلِ
كنا نسيء الظن في سيرٍ
قُصّت عن الكرماء من قبلِ
ونفسِّق الراوين من سرفٍ
ونشكُّ في الأخبار والنقلِ
حتى نجمت فكنتَ بينةً
نصرتْ دعاوى القولِ بالفعل
قابل مهيار هنا حالتين متعاصرتين من حالات الحُكم التي طرأت على العراق-عامة- واقليم البطيحة (60) - خاصة؛ كون الكلام موجّه إلى أبي الحسين أحمد بن عبد الله والي البطيحة- الحالة الأولى تمثّل حال البلاد بعد مجيء الممدوح حيث عمّ البلاد الخير والعدل والمكارم، والحالة الثانية تمثّل حالها قبل مجيئه حيث كان الخير والعدل مجرد دعاوى زائفة، وكما نلحظ فقد استعمل الشاعر الألفاظ الدالة على الأخبار الكاذبة والمشكوك في نقلها بدلالتها الماضوية (كنا ... [نسيء الظن بالسير ... نفسّق الراوين .. نشكّ في الأخبار والنقل] ) ، ليعمّق أبعاد مفارقته القائمة على الوعي بانحطاط أوضاع العهود السابقة لعهد الممدوح والتذكير بزيفها، وبذا يكون مهيار قد أبرز فداحة المفارقة من خلال المقابلة بين الحالتين بكل ملامحهما، ومن ثم تجاوز الايحاء الامكانات التي يصوّرها كلّ طرف على حِدة.
وتارة أخرى يعمد مهيار إلى تفتيت طرفي المفارقة إلى مجموعة من العناصر الجزئية التفصيلية دون الاتيان بكل طرف منفردًا ومتكاملًا، بل يضع كل عنصر منهما ندًا لما يناقضه من عناصر الطرف الآخر، فتغدو المفارقة في نهاية الأمر مجموعة من المفارقات الجزئية (61) ، ومصداق هذا نجده في المفارقة الرثائية الآتية (62) :