معالجته لمفارقات مطر، في حين اعتمدنا المنهجين السياقي والنصي بصورتهما العامة والمُشار إليهما في أول الفصول والمتضمنان المنهج الفني بين طياتهما من جهة أخرى.
ثانيهما: تتعلّق باختيار شعر مهيار بوصفه ميدانًا للمفارقة وبوصف الاخيرة- أي المفارقة- مصطلحًا أسلوبيًا إنما يرمي الى غايتين: الأولى محاولة في إبعاد احتكار الأدب الحديث للمفارقة- إن جاز لنا القول- بوصفها واحدة من مستلزماته العصرية من جهة، فضلًا عن دورانها إلى حدٍّ ما في بوتقة الفن النثري ولاسيما الفن الروائي وهو ما نراه دارجًا اليوم في بعض دراسات هذا الفن وأبحاث فروعه من الدراسات السردية الأخرى حين البحث عن أصول هذه اللازمة والتنقيب عن مظان تلك الخصيصة الأسلوبية من جهة أخرى. وأما ثاني الغايات فنروم منها التأكيد على معرفة العصور الأدبية السابقة للعصر والأدب الحديثين ولاسيما القرن الرابع للهجرة إبّان التألق الشعري العباسي في حقبته الممتدة عبر الزمان منذ عام 132 هـ حتى أفول هذا الألق عام 656 هـ للمفارقة بمفهومها الأولي القائم على التضاد والتقابل، فـ (( المفارقة -بوصفها منهجًا- ... وانّها كفكرة كانت مبثوثة، فيما تضمنه حوار العرب الاوائل ... وانّها ذات أصل نقلي موروث، فأنّ المفارقة ذات موقع نقدي في تاريخ النقد العربي القديم ... كما يمكن القول بأنّ منهج المفارقة ذو أصل نقدي أيضًا ... فالمفارقة نبتت في تربة الموازنة ) ) (5) ، ومن الجدير بالذكر انّ استعمالات الشعراء السابقين لمفردة (مفارقة) كانت تتضمن دلالة فرقة الأحباب والنأي عنهم، نحو قول زهير بن أبي سلمى (6) :
وإذ كلانا إذا حانت مفارقة
من الديار طوى كشحا على حزن
أو قول قيس بن ذريح (7) :
إن تصرمي الحبلَ أو تُمسي مفارقةً
فالدهرُ يحدثُ للإنسانِ ألوانَا
وهذا المتنبي يقول (8) :
ابوكم آدم سنَّ المعاصي
وعلَّمكم مفارقة الجنانِ
وقبله بشار بن برد قال (9) :
على عينِها منِّي السلامُ وإن غدَتْ
مفارقةً تخدي إلى غير مقعدِ
ولو عدنا إلى شعر مهيار فاننا نجد لفظة (مفارقة) قد وردت في شعره مرتين فقد جاءت تحمل دلالة التقابل والتضاد بشكل صريح تارة وذلك في قوله (10) :
فما استعذبوا طعم الثناء ولا رأوا
مفارقة بين السماحة والبخل
وتارة أخرى جاءت تحمل الدلالتين معًا، أي الفراق والتقابل، من خلال تقييدها بالتورية، إذ ... يقول (11) :
يا دار لست اليوم مثلك أمس لي
ظهرت مفارقة وبان خلاف
نعم انّ دلالة الـ (مفارقة) هنا قد تأخذ معنى الفراق والنأي، إلاّ اقترانها بـ (بان خلاف) يكاد يجزم بدلالتها على التضاد فحسب، والبيت الذي يليه يؤكد ذلك التضاد:
ذوت الغصون الناظرات وهُيّلت
بعد الوثارة فوقك الاحقافُ
نلحظ أنّ التضاد قد وقع بين [نضارة الغصون وذويانها] مرة، وبين [الوثارة والاحقاف] أخرى.
إنّ المفارقة لدى مهيار لم تكن شيئًا عبثيًا طارئًا في حياته الشعرية، أو واقعه المعيش بقدر كونها وليدة مواقف نفسية وصراعات عقلية كثيرة، وإرهاصات ثقافية جمّة قد نهل الشاعر من مشاربها المختلفة سواء العقائدية منها التي تنحى منحىً شيعيًا يشوبه الغلو، أم كانت فكرية شعوبية مشوبة بمعطيات القرن الرابع الهجري الاعتزالية منها أو الفلسفية، وسواء أكانت دينية محضة تتكئ على الارث القراني أم النبوي الشريف أم كانت تاريخية تكتنف العربي الخالص بحكم تربيته العربية الخالصة على يد نقيب الطالبيين، الشريف الرضي (406 هـ) ، وزعيم الطائفة، الشيخ المفيد (413 هـ) ، مثلما يستوعب تاريخ فارس وامجاده بحكم عرقه الديلمي الفارسي، وقد تنوشها اللمحات الاسطورية المتلاقحة مع هذين العنصرين التاريخيين (12) ، ومن ثم تتماهى كل هذه المعطيات في صور مفارقات شعرية قد اتخذت لنفسها تعبيرًا غير مباشر للواقع ومخالفة ايّاه بدرجة معينة، بمعنى آخر إنّ المفارقة المهيارية (( وليدة موقف نفسي وعقلي وثقافي معين، وهي في الواقع تعبير عن موقف مخالف بطريقة غير مباشرة، ربما كان ذلك لخداع الرقابة أو اخفاء النوازع غير المرضية، لهذا فهي تقوم على التورية التي تتضمن مستويين: أحدهما سطحي، والآخر