عميق. والمفارقة التي نقصدها هنا، هي مفارقة لفظية في أبسط تعريف لها هي: شكل من أشكال القول يساق فيها معنى ما، في حين يقصد منه معنى آخر، غالبًا ما يكون مخالفًا ببمعنى السطحي الظاهر، وهي تشبيه الاستعادة من حيث تضمنها دلالة ثنائية )) (13) .
وتنوع التجليات الأسلوبية البلاغية في المفارقة من تورية إلى تشبيه فاستعارة وقبل ذلك تناقض طباقي تقابلي قائم على ضرورة الاتفاق فيما واقعه الاختلاف (14) انّما يدلّ على انّها (( ذات دلالة خصوبية موحية تجمع بين الجودة والجدة غير المرتقبة، تخرق فجأة توقعات المتلقي، وتحدث صدمًا مثمرًا ذا لذة أدبية خاصة وهذا يفضي إلى أن قيمة المفارقة الجمالية تنبع من طريقة قولها ومما قالته معًا دون جور على الموضوع أو كيفية التشكيل ) ) (15) .
ولا تقتصر المفارقة على الجانب اللفظي، إذ انّها تنقسم إلى قسمين رئيسين يصعب الفصل بينهما: المفارقة اللفظية ومفارقة الموقف أو الحدث وقد عمد ميويك إلى تقصّي أبرز خصائص وعناصر المفارقة بمختلف أشكالها (16) ، وللوقوف على أهم تلك العناصر-العامة- التي تفرزها المفارقة نأخذ قول مهيار معرِّضًا بمن جهل حقه ولم يجزِ خدمته لدى السلاطين (17) :
حسبي! سمحتُ بأخلاقي فما ظفرت
في النَّاس إلاّ بأخلاقٍ مناكيدِ
وصاحبٍ لين أيامي وشدّتها
فرق له بين تقريبي وتبعيدي
يمشي ابن دأيةَ في ظل الرجاء معي
وفي النوائب يعدو عدوة السّيدِ
وواسع الدَّار عالي النَّار يوهمني
خصب القرى بين مبثوث ومنضودِ
يهوى الأناشيد أن يكذبن سمعته
ولا يهشّ لأعواض الأناشيدِ
أغشاه غشيان مجلوب يغرّ بما
رأى وأصرف عنه صرف مطرودِ
أول تلك العناصر التي تطالعنا في المفارقة الآنفة، التضاد بين (المظهر والمخبر) أو (المظهر والحقيقة) (18) الذي يقوم على تظاهر المرء بخلاف ماهو عليه، فصاحب المفارقة (مهيار) يقول شيئًا لكنه في الحقيقة مختلفٌ تمامًا، وهذا ما نلمسه في صدور الأبيات التي تمثل المظاهر الخدّاعة والزائفة لأولئك-الممدوحين- المستخفّين بحقّه، في حين تمثل أعجازها الحقيقة الضامرة والمتوارية خلف أستار الرياء، فهم يُظهرون خلاف ما يبطنون.
ومن عناصر المفارقة، الغفلة المطمئنة، وتعني انخداع الضحية واتصافها بالسذاجة الفكرية والقناعة البلهاء بمظاهر تتفاوت في درجاتها من الكبرياء والقناعة يصطنعها صاحب المفارقة متبجّحًا بعدم علمه إيّاها على وجه الحقيقة (19) ، فهي (( غفلة مصطنعة من الشاعر فعلية لدى الضحية ) ) (20) ، وهكذا تبدو الغفلة المطمئنة في أعلى درجات غرور الممدوحين المتجاهلين لحق مهيار وتبجحهم بالكبرياء والنفاق معًا، ومن ثم (( تعكس هذه المفارقات الحضور المتوتر لمهيار، ذلك الحضور الذي يكشف عن مستويين متدابرين لثنائية متعارضة تؤكد الاشياء وتنفيها، لكن من غير أن يركن هذا الحضور الى السكون قط، بل يظلّ متوترًا توتر"الفساد الخالق"لمهيار ) ) (21) .
كذلك تقوم المفارقة على عنصر كوميدي يبرز من خلاله تضاد المفارقة بالألم المشوب بالكوميديا، فتتضارب فيه العواطف والأفكار في سخرية مُرّة تثير الضحك الذي سرعان ما يتلاشى على الشفاه (22) ، فالصورة أعلاه تتكتم طواياها بشفافية صورة الواقع الأليم لمثل أولئك الناس المزيّفين الذين قد تسنح لهم الفرصة في أن تحكم وتتحكّم في مصير غيرها وما هم إلاّ أدوات قذرة-من حكام وحاشية- لا يحسنون غير صنعة الحرباء والأبهة الكاذبة.
ومن عناصرها كذلك، التجرّد القائم على اصطناع الشاعر (صاحب المفارقة) لصفات وأساليب معينة تتسم بالموضوعية والصفاء والجدّية والحيادية، متنصّلًا عنها فيبدو وكأنّ الأمر لا يعنيه (23) ، نعم إنَّ الذاتية أو الأنوية هي المتسيدة في الأبيات السابقة إلاّ أنّ موضوعية التجرّد وحياديته تظهر من خلال عدّ مهيار لسان حال كثير ممن عانوا التجربة نفسها مع أناس لهم صفات التلوّن ذاتها التي عليها غاصبي حق مهيار، أي أن الصورة في الدالية أعلاه (( تتركّب وتتألف من بنية درامية تقوم أساسًا على الاستعارة والمجاز وتتسم بالمفارقة لا محالة ومن ثم فإنّ أجزاءها تتفاعل بطريقة عضوية تعمل معًا لتشكّل القصيدة وبالتالي تعكس صورتها من خلال أجزائها في كلّ متكامل ذي وحدة عضوية ) ) (24) ، وهكذا فإذا ما تسنى لشخصٍ ما قراءة هذا الجزء من تلك الدالية فإنّه