الخير، وتجاوز لأغلاط من هم دونه، وهذه هي الدلالة المعاصرة المناقضة لدلالة النص التراثي المقتبس من سورة يوسف: (( إنَّ الَّنفسِ للأَمَّارَةٌ بِالسّوءِ ) ) (79) ودلالة النصّ القرآني تحيل إلى عمى النفس واهتدائها في غير صواب، وهنا تكمن بؤرة المفارقة من خلال التناقض الكبير بين المدلول التراثي الأساس وخدنه المعاصر المحوّر وكلّ ذلك يتمّ في وعي المتلقي ووجدانه، وفي هذا إيماءة لإيجابية مهيار في تعامله مع التراث من خلال تحويره للدلالة السلبية المتوارية في دلالة النصّ القرآني إلى دلالة إيجابية، أي إنّ النّفس تحولّت من أمّارة بالسوء إلى أمّارة بالخير.
نخلص ممّا تقدم إلى إنّ نتاج المفارقة عملية مشتركة بين المبدع ومحيطه في البدء، ومن تراكماتها تتشكّل فيما بعد بين نصّ ذلك المبدع والقارئ هذا من جهة، وإنّ ألوان المفارقة التصويرية التي ذكرها د. سي. ميويك تغلب عليها سمة الأسلوبية الفنية، في حين إنّ ما ذكره د. عشري من أنماطها فهي تكاد تكون شكلية بنائية أكثر مما هي فنية أسلوبية من جهة أخرى.
إنّ فكرة المفارقة لدى مهيار قد نبعت من تشعّب الروافد الثقافية التي غذّته بإرثها والتجارب الحياتية والصراعات التي ناشته على اختلافها سواء أكانت سياسية أم دينية وقد حفلت بها حاضرة بني العباس إبّان احتضارها، وهذه الأمور جمعاء تمثّل وسائل مفارقة في أساسها؛ إذ كان لها انعكاسها على شاعرنا الذي بدت تتنازعه العروبة والفارسية، والشيعية والشعوبية، ومن ثم الاستقرار وعدمه حتى نخال اعتماد مهيار في تمثّله للمفارقة على فكرة التفاوت بينه وبين سواه من شعراء عصره، لذا فقد بدا مفهوم المفارقة عند مهيار مفهومًا قارًّا في شعره مقارنة بمن سبقه من الشعراء بدءًا من الجاهلية وصولًا إلى معاصريه من شعراء القرن الرابع للهجرة، واتساع هذه الرؤية المعاصرة وشموليتها أفضت الى انفساحها واتخاذها من شعره ميدانًا رحبًا يستوعب تجربته المفارقة لواقعها بدرجة ما، ولشخصياتها بنسبة أخرى، ومن ثم يمكن القول: بإنّه على الرغم من تعدّد أنماط المفارقة في شعر مهيار واتساعها إلاَّ أنّه يمكن النظر إليها بوصفها نصًّا طويلًا؛ إذ إنَّ هذه النصوص على اختلاف صورها التقابلية المتضادّة هي نتاج مخيّلة واحدة، وموقف حياتي معيش واحد أمام المدوّنة الشعرية بشِعبها التاريخي العريض، وهكذا فمفارقات مهيار وإن اختلفت أزياؤها (صورها) فإنّها تظلّ ذات أصل متجذّر وأرضية خصبة، فشاعرنا لم يقصد المفارقة لعينها أو يتّجه صوبها عامدًا، مثلما لم تكن المفارقة بالنسبة له حدثًا عابرًا في حياته الشعرية أو واقعه المعيش بقدر كونها وليدة ضغوطات نفسية واجتماعية، ومواقف عقلية وثقافية مختلفة إبان الحكم العباسي- البويهي كانت كفيلة بنماء ملكته الشعرية قد حدت به هذه المعطيات بمختلف إرهاصات الثقافية والمعرفية إلى إفراغ هذا الجهد المكبوت في جانب آخر هو حيّز الصورة الشعرية في مجالها المفارق.
الهوامش:
1.ينظر: المفارقة في شعر الرواد: قيس حمزة الخفاجي: 95، فقد عرض الباحث لأهم ثيمات هذه البنية التي تجعل منها خصيصة أسلوبية.
2.ينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة: د. علي عشري زايد: 138.
3.المفارقة وصفاتها (موسوعة المصطلح النقدي) :د. سي. ميويك، ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة: 4/ 142، وينظر: المفارقة (موسوعة المصطلح النقدي) : د. سي. ميويك، ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة: 4/ 28.
4.ينظر: الأسلوبية والأسلوب: د. عبد السلام المسدي: 36 - 37.
5.قراءة النص دراسة في الموروث النقدي: دأحمد يوسف علي: 117 - 118.
6.شرح ديوان زهير بن ابي سلمى: تحقيق د. حنا نصر الحتي: 108.
7.ديوان قيس بن ذريح (قيس لبنى) : شرح عبد الرحمن المصطاوي: 114.
8.شرح ديوان المتنبي: وضعه عبد الرحمن البرقوقي: 4/ 389، وينظر: 3/ 282، 4/ 257.
9.ديوان بشار بن برد: 3/ 72.
10.ديوان مهيار الديلمي: تحقيق أحمد نسيم: 3/ 45.
11.نفسه: 2/ 77.
12.ينظر: لغة شعر مهيار الديلمي (أطروحة دكتوراه) :عامر صلال راهي:2 - 71.
13.البنيات الاسلوبية في لغة الشعر الحديث: د. مصطفى السعدني: 213.
14.ينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة: 137.
15.المفارقة في شعر الرواد: 65.
16.ينظر: المفارقة: 43.
17.الديوان: 1/ 231.