الصفحة 13 من 16

التراثية الغزلة، وكما نلحظ فالصورة المعاصرة لم تتغير إزاء الطرف التراثي، لكن تحقّقت المفارقة عن طريق سلب ملامح الطرف التراثي الغزلية عن الطرف المعاصر الرثائية.

وهكذا فمهيار يتحدّث عن صورة الرثاء المعاصرة وما يعانيه المُعزّى بهذا المصاب الجلل إلاّ أنّه وظّف معطيات الصورة التراثية الغزلية المتكئة على فقدان بثينة لجميل وعفراء لعروة والعكس بالعكس، وقد كان الشاعر موفّقًا في استعماله لمفردات الصورة الأخيرة-أي الغزلية- وعناصرها من: [ذمّ العيش الرخيص، والهيام، وعفراء وعروة، وجميل وبثينة، الهاوي من علٍ، السائر بغير هدى] ، إلاّ أنّه سَلَب ملامحها الغزلية الحقيقية وأضفى عليها ملامح الواقع الرثائي الحزين، أو بتعبير آخر نفاها عن الطرف المعاصر.

أما النمط الثاني للمفارقة ذات المعطى التراثي فهو القائم على طرفين تراثيين حيث تتم المفارقة على مستويين: أولهما يكون بين الدلالة التراثية للطرفين، وثانيهما بين الدلالة التراثية لأحد الطرفين والدلالة المعاصرة الرمزية للآخر، وعن طريق هذه المقابلة المزدوجة بين الطرفين تزداد المفارقة عمقًا وتأثيرًا (73) ، وهذا اللون من المفارقة نلمحه في قول مهيار حينما يقابل بين حال الوزارة قبل وبعد أن تقلّدها ممدوحه الوزير عميد الدولة، فيقول (74) :

هم عقروها إذ تعاطوا فعذِّبوا

ورأيك فيهم صالح وهم السقبُ

وراموا التي يرضى بها الخرقُ وحده

خداعًا وتأباها الحزامة واللبُ

ومن دونها أن يخطبَ الليثُ هدنة

من الذئب أو يبكي من العطش الضبّ

المستوى الأول للمفارقة يتمثّل بمقابلة نبي الله صالح - عليه السلام - )) وعاقري ناقته، فصالح يمثّل الجانب البهيج والمشرق للصلاح والرقي، في حين يمثل (قدار بن سالف) - عاقر الناقة- الجانب العاتم الظلمة والفساد، وكما نرى فهما طرفين يمدّان ذهنية المتلقي بسيل من الإشارات والإيحاءات التي تخامره، فتقوده إلى المفارقة على صعيد المستوى الثاني، حيث أضفى مهيار على شخصية النبي صالح - عليه السلام - )) ملمحًا رمزيًا معاصرًا يمثّله الممدوح- الوزير عميد الدولة- وحينها يمثل عاقري الناقة بمن سبقه من الوزراء الذين حطّوا من هيبة الوزارة وقيمتها فاستحقوا بذلك الخلع والتعذيب، ومن ثم فهذا النزوح من التراث إلى رمزيته المعاصرة يزيد من عمق المفارقة وغناها، ويرسّخ إحساس المتلقي بقوة المفارقة وقوتها لاسيما في التشبيه الذي يضمّه البيت الثالث إذ نجد الليث يطلب السماح والمهادنة ممن هم دونه، أي الذئب، وكذلك إنَّ الشائع عن الضبّ أنّه لا يشرب الماء أصلًا، وإذا ما راوده العطش استقبل الريح قائمًا فاتحًا فاهه لها فيرتوي ظمأه؛ ولذا يُضرب به المثل فيُقال: (( أروى من ضب ) ) (75) ، ومن ثم فكيف إذن يكون له البكاء عطشًا؟! فالشاعر عكس الثوابت بتشبيهاته تلك ليوحي بعِظم الفاجعة التي تنكّبتها الوزارة أيام هؤلاء الطغاة والمضطهدين وعاقريها.

إنَّ تحوير دلالة المثل أعلاه من قبل مهيار تحيل إلى آخر أنماط المفارقة التراثية الذي يقوم على اقتباس نص من التراث وليس شخصية أو حدثًا، ومن ثم يعمد الشاعر إلى تحوير ذلك النص المقتبس رغبة في توليد دلالة معاصرة مناقضة لدلالة المقتبس التراثي المرتبط بذهن المتلقي ووجدانه، وبمقابلة الدلالتين التراثية الضامرة في الذهن والمعاصرة المحوّرة تنتج المفارقة (76) ؛ فالتحوير في النص السابق-الخاص بالضبّ- لم يقف على جانبه النثري ممثلًا بالأمثال فحسب، بل جازه إلى ضفة الشعر إذ نجد تحويرًا قد أصاب قول البحتري المتكئ في أصله على الأمثال (77) :

سأصبرُ صبرَ الضبِّ في الماء أو كما

يعيش بديموم الصريمة حوتها

وفي هذا دلالة على إمكانية الجمع بين أكثر من نمط من أنماط المفارقة في الصورة الواحدة، فضلًا عن تنوّع الاقتباسات المحوّرة ما بين مثل مأثور أو بيت من الشعر أو آيٍّ من الذكر الحكيم نحو قول مهيار مادحًا الأجلّ عميد الروؤساء أبا طالب (78) :

ولم تكن ثلته نهزةً

يطمع فيها الذئب أظفارَهْ

أو شرعوا في الشرّ عافت له

نفسُ بفعل الخير أمارَهْ

النصّ يتكتّم بين طواياه معاني المنعة والقوة فرعية الممدوح- أي ثلّته وهو القطيع من الغنم- في أمن وأمان لا تقوَ الأعداء- الذئاب- من التكالب عليها ونهشها فريسة سهلة سائغة لكلّ صائد، وأكثر من ذلك إنّ تلك الفريسة التي يُحامي عنها إذا ما بدر منها أي سوء أو شرّ ينوش ممدوحه، فانّ الأخير غاية في الرفعة والتفاني في حبّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت