ثيمة (المعجزة) أولًا، وتبعاتها في العصور السابقة واللاحقة للممدوح والأنبياء ثانيًا، وحتى يصل مهيار إلى بؤرة المفارقة التي يروم الوصول إليها وهو يقف بين يدي الممدوح في تلك اللحظة؛ إذ كان تفجير تلك المفارقة أشبه بِدويِّ الرعد في آذان محيطيه من الوزراء، فازدادت عمقًا من خلال تلوّنها بالتراث والمعاصرة من جهة، وإيقاظ الوزراء الغافلين عن زيفهم وتسويفهم والتنبّه لحال الرعية من جهة أخرى وهو الهدف الأسمى البعيد لتلك المفارقة، فيقول:
إذا الأسماء ألزمت المعاني
فأنت الحقّ والوزراء زورُ
رأيناهم وكلّهم شكولُ
مصليهم لسابقهم نظيرُ
أما الصورة الثانية فتقوم على استدعاء الطرف التراثي الى وعي المتلقي دون التصريح بملامحه؛ كونها مضمرة في وجدان ذلك المتلقي، مانحًا ذلك الطرف -أي التراثي- الملامح الخاصة بالطرف المعاصر والمناقضة لملامحه التراثية الحقيقية (67) ، ومثال ذلك استدعاء مهيار لشخصيتي زهير بن أبي سلمى وممدوحه هرم بن سنان، معتمدًا على ما يضمره المتلقي في قرارة نفسه حول علاقة الكرم المنقطع النظير الذي أغدقه هرم على زهير، حتى روي أنَّ هرمًا قد آلَ على نفسه ألاّ يُسلّم عليه زهير إلاّ وأعطاه عبدًا أو جارية أو فرسًا، ولكثرة العطايا وهذا الكرم المفرط فقد كان زهير يستحي من ذلك؛ ولذا صار إذا أتى ناديًا وفيه هرم سلّم قائلًا: (( أنعموا صباحًا غير هرم وخيركم استثنيت ) ) (68) ، وتأسيًا بهذا المعطى المدحي فقد منح مهيار علاقته بممدوحه ملامحها وواقعها الآني المعاصر لكن ليس على سبيل الكرم المدحي فحسب، بل على سبيل العتب لتأخّر ذلك الكرم، فيقول (69) :
وإن أعرضتم ورضيتموه
فإنّ المجد ممتعض غضوبُ
حديث لو تلوه على زهير
غدا من مدحه هرمًا يتوبُ
بأي حكومةٍ وبأي عدلٍ
أُصابُ من القريض ولا أُصيبُ
وكم اعراضكم تزكو بمدحي
وتنجح والمنى فيكم تخيبُ!
والتناقص بين الملامح الحقيقية المضمرة لصورة هرم بن سنان في كرمه الفاحش مع زهير بن أبي سلمى، والصورة المعاصرة لمهيار وممدوحه أبي الحملات شبيب بن حماد بن مزيد، وبتفاعل الصورتين تبدو المفارقة العتبية عميقة وبارعة في الوقت ذاته، وهذه البراعة متأتية من دمج ملامح الأمس الغابر بملامح اليوم المعيش.
في حين تمثل الصورة الثالثة- من المفارقة التراثية الأُحادية الطرف- عكس الصورة الثانية حيث يتم استدعاء الطرف المعاصر للمفارقة دون التصريح بملامحه، وانما يضفي عليه الطرف التراثي ملمحًا سلبيًا، من خلال ربط الملامح التراثية بالطرف المعاصر عن طريق نفيها عنه (70) ، وقد وظّف مهيار هذا التكنيك الفني في وصفه لحزنه على وفاة أبي القاسم المبارك بن محمد، وهو فتىً كان قد ربّاه واصطفاه، فيقول (71) :
أذمُّ إليكَ العيش بعدك إنَّه
بضيعة لا المغني المفيد ولا المقني
أهيمُ، ولم يظفر بعفراء عروة
وأشكو ولم يقدر جميل على بثنِ
كأنِّي لم أنظر من الجوّ في ملًا
سواكَ ولم اسرع من الأرض في صحن
استدعى مهيار صورة آنية حزينة معاصرة لعاشقٍ مولّه فاقدٍ للأمل بعد فقده لمعشوقه، فالحياة في ناظريه رخيصة وتافهة فهي عنده أشبه باليسير اليسير من اللحم فلا هو بالذي يسد الرمق، ولا هو بالذي يقنع حتى يستخدم لأغراض المتاجرة، ولشدّة هيام الشاعر لهذا المحبوب المفقود صار كالهاوي من علٍ لم يجد خلا الحبيب ينتظره، أو كالسائح على وجه الأرض من غير هدى والحبيب سبيل تلك الهداية، وتلك دلائل على الجزع والهلع وشدّة الوجد، وحرقة الشوق، ومن ثم عدم إدراكه لوقع مصيبة الفقد، وكل هذا حصل من خلال استدعائه لقصتي أشهر مُتَيّمينِ من عشّاق العرب: عروة بن حزام (72) صاحب عفراء، وجميل بن معمر صاحب بثينة فكلاهما لم يظفر بصاحبه، السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين موقع ذلك السلب المشار إليه آنفًا من قبل التراث للمعاصرة؟
إذا ما طرقت سامعي المتلقي مسميات عفراء عروة وجميل بثينة فسرعان ما يتبادر إلى ذهنه صور الغزل والعشق المهيمنة على النصّ السابق مع استبعاد-نوعًا ما- لصورة الرثاء، فمهيار لم يصرّح بملامح الطرف المعاصر الرثائية المحضة لفقد ميت-أي فقده لذلك الفتى الذي ربّاه-، وراح ينفي هذه الصورة الرثائية من خلال الملامح