وكيف يناجَى نازح السمع فائت
عليه مهيل- من ثرى- متطابقُ
إذا الحي يومًا كان في الحي كاذبا
نفاقًا فإن الحي في الميت صادقُ
مضى صاحبي عني وقد شاب ودّنا
فيا ليت هذا والودادُ مراهقُ
بجهدك لا تألف خليلًا فانّها
بقدر مسرات الألوف بوائقُ
لقد جاء مهيار بكِلا الصورتين أو الطرفين مفتّتين إلى عناصر جزئية احدهما يقابل الآخر، فالشاعر يقابل بين علاقته بالمرثي أثناء الحياة وبعد الممات، فحينما كان يمدحه فانّ هذا المدح قد يشوبه الكذب طمعًا بالجائزة، ويقابله بعد مماته فهو اكثر صدقًا فيما يقول ومن دون مقابل ينتظره، انّ الوقوف على حقيقة المشاعر النبيلة التي يكنّها احدهما للآخر والنوايا القلبية الصادقة التي يضمرناها تجاه بعض تكشّفت متأخرة وبعد فوات الأوان، أي بعد أن أخذ منهما الزمن والمشيب ومن ثم الفراق مأخذًا عظيمًا، فقابله بتمنٍ: لو كانت هذه المشاعر وتلك النوايا في أول عهد علاقتها مع بعض ونتيجة لمعاناته التي هو عليها الآن لفَقَد هذا الصديق الوفي خلُص إلى نتيجة نصحيّة مفادها: عدم مؤالفة أحد، قابلها بالسبب وهو: انّه بقدر ما تخلّفه مثل هذه العلاقات الطيّبة من مسرات يكون الفقدان وما يترتب عليه من حزن وهلكة أضعاف مضاعفة، وهكذا تكتمل هذه المفارقات الجزئية، إلاّ انّ المفارقة الأكثر إثارة ومرارة، والحقيقة السوداء التي أراد الشاعر إعلامنا بها هي انّه أغلب العلاقات بين بني البشر يشوبها النفاق والمراء، والموت يمثّل وسيلة لكشف المعادن الحقّة من الزائفة تجاه بعضنا للآخر، فلِمَ لا يكون التسامح والصدق هو شعار تلك العلاقات في كل آن؟!، وفي كل هذا نلمح مهيار متمردًا على ذاته ومجتمعه ودليل ذلك حديثه (( عن الموت في الحياة، وانعكاس دماء الذات في دماء المنايا على الآخرين، أو من حديث عن الظمأ الذي لا ري له، أو عن الخيانة التي هي رفض للآخرين ومعاكسة الدهر، أو عن التيه والطريق. وكل هذه الاشياء دلالات أولية ترتبط بالتمرد من ناحية ) ) (63) .
أما لو عرّجنا على أشكال المفارقة ذات المعطى التراثي نجدها تتوزع بدورها إلى أنماط ثلاثة: أولها يقوم على طرف تراثي واحد وله ثلاث صور: الصورة الأولى المقابلة الصريحة لطرف تراثي بآخر معاصر له مع احتفاظ كل منهما باستقلاليته وتميّزه (64) ، وذلك نحو قوله في فخر الملك (65) :
ظهورك آية لله صحّت
بها الأديان واشتفت الصدورُ
وزالت شبهة المرتاب في أن
تكشّف عن ضمائرها القبورُ
راك وميت الآمال حي
بجودك والندى الأعمى بصيرُ
فآمن بالمسيح وآيتيه
وأن نشأت من الطين الطيورُ
وأيقن أن موسى شقّ بحرًا
بأن شقّت بكفيك البحورُ
ولما أن أتيت على فتور
وباب ضلالة الأمم الفتورُ
وأبصر قبلك الماضين مروا
ولما تنتظم بهم الأمورُ
صبا لمحمد وأطاع فيه
وقال: الرسلُ خيرهم الأخيرُ
أقول بمعجزاتك لا غُلّوا
وكاتم نعمة المعطي كفورُ
يصوّر مهيار ممدوحه بمعجزة وانّه قد جاء رحمة ومغفرة لقومه وإعلاء لكلمة الحقّ بعد انقطاع دابر كل تلك الأمور فيما سبقه من عهود، ويصوّر في الطرف المقابل الحالة التراثية المتمثلة بمعجزات الأنبياء الذين سبقوا الحبيب المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -) وارتداد أقوامهم عن آياتهم كافرين بها حتى علت كلمة الحق على لسان آخرهم البشير النذير (- صلى الله عليه وسلم -) وهناك في النصّ اشارة واضحة لقوله تعالى (( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير ) ) (66) التي اختزلت طرفي المفارقة المعاصر والتراثي بين ثناياها، وكما نرى فقد صرّح الشاعر بالطرفين مانحًا كل منهما ملامحه وسماته الخاصة، فقد عبّرت الصورة التراثية عن حقائق تاريخية سجّلها القرآن الكريم ولا يراودها الشكّ، وشابت الصورة المعاصرة بعض اللمحات التراثية القرآنية نحو: [ظهورك آية الله .. صحة الأديان .. شفاء الصدور .. زوال الشبهة .. كشف القبور .. ميت الآمال حي .. الندى الاعمى بصير .. شقّت بكفيك البحور .. أتيت على فتور .. ضلالة الأمم .. بمعجزاتك] وجاء توظيف هذه اللمحات لإعطاء المفارقة بُعدًا أعمق من خلال التركيز على