فحسب، فهي قد ترد في الملحمة والشعر القصصي، وتقوم على جهل الضحية بالموقف التي هي فيه، وتبدو المفارقة الدرامية أبلغ أثرًا إذا ما كان كلّ من المتلقي (الجمهور والقارئ) ، وشخص آخر في التمثيلة أو القصة على وعي بجهل الضحية غير الواعية لما يصدر عنها من كلمات تناسب الموقف الحقيقي الذي لا يعيّن (55) ، وهذا اللون من المفارقة ندركه في المغزى القصصي الدرامي الذي وظّفه مهيار في قوله (56) :
فكاك ايّها القلب الأسير
غدًا لو قال حادي الرب سيروا
عسى الأظعان تطلع إن اثاروا
هلالًا كان تكفره الخدورُ
وإن اخذوك انت وخلّفوني
فسر معهم فذاك لهم يسيرُ
تعلقهم عساهم أن يذموا
عليك من الصبابة أو يجيروا
لمن شدينة سبقت عجالًا
فما تدري أتقصدُ أم تجورُ
يخوضُ الليل سائقها أنيسًا
بآية: لاحَ بين يديه نورُ
وكيف يخاف تيه الليل راكب
تطّلعُ من هوادجه البدورُ
يناجزُ في الوداع معاتبات
لهن كبودنا ولنا الزفيرُ
النص الذي بين أيدينا يكتنف بين طياته ضحيتين (الشاعر وشدينة [الناقة] ) ، ومتّهمين (الحبيبة وحادي الركب) ، فمهيار ضحية بدت جاهلة بذاتها وحالها بعد رحيل قلبه مع الأحبة وبقاء الجسد وعاءً فارغًا من الأحاسيس والمشاعر، فغدا كلّ من قلب الشاعر وجسده يعيشان نوعًا من الاغتراب الروحي الذاتي، وأصابع الإتهام في ذلك الاغتراب توجّه إلى الحبيبة أولًا والحادي ثانيًا، فكلاهما يعيان للموقف والحال التي عليها مهيار، والدليل استئناس الحادي بسوق الضحية الثانية (الناقة) غير الواعية لمسيرها أو حال مهيار فهي منقادة لسائسها؛ لذلك فهي (ما تدري أتقصد أم تجور) ، والدليل الآخر الذي ينمّ عن جناية الحبيبة ووعيها بحال الشاعر هو مطالبة كبده الحرى ومعاتبته إيّاها لتعجيلها الرحيل من دون وداعه، وهكذا يتأكّد لدينا من انّ الشاعر الضحية لم يكن مدركًا سبب هذا المسير أو العذاب الذي حلّ به من جرائّه، زِدْ على ذلك انّ الجمهور أو القارئ (المتلقي) يعلم تمامًا انّ حادي الركب عاجز عن تلبية طلب الحبيبة المدلّه سواء بانتظاره واللحاق بالركب أم في القفول راجعًا إلى الديار حيث الشاعر ينتظر وهذا العجز يتضح بايماء مهيار مخاطبًا قلبه (تعلقهم عساهم ... ) و [عسى] حرف من حروف المقاربة وفيه ترجٍ وطمع واشفاق، فهو يرجو طامعًا الاشفاق عليه من عاجز-حادي الركب-، وهذا الرجاء يعني في جانب منه تعلّق مهيار- الضحية- بالمستقبل صراحة والاعتماد عليه في حلّ أزمته، فبعد هذه المتواليات الدرامية تتبعها سلسلة أخرى من الأحداث المتطورة التي تقلب خطط الشاعر الضحية، وتربك توقعاته وآماله ومخاوفه ورغباته وهو ما يعرف بـ (مفارقة الأحداث) (57) ؛ إذ يحصل على ما كان يرومه ويتمنّاه وهو اللقاء بمن يحب:
أكنت معي بعينٍ أم بقلبٍ
برامة والعيون اليّ صورُ؟
غداة أقول- وابتهجت جباهٌ
عطفن عليّ وابتسمت ثغورُ-:
وهنا بداية إنفراج الأزمة في بُعدها المستقبلي حيث أخذت تنتاب الشاعر بوادر البهجة والسرور لحصول المراد:
أما من قبلةٍ في الله؟ قالوا:
متى حلّت لشاربها الخمورُ
وقارك والتقت ترهُنّ بيضًا
كبرتَ! فقلتُ: مسكين الكبيرُ
ألا يا صاحبي تملياني،
أطاعَ ابايَ واعتدل النفورُ
أرى كبدي وقد بردت قليلًا؛
أمات الهمُّ أم عاش السرورُ؟
وهكذا سرعان ما عادت الأزمة بتفاقم أكثر من ذي قبل، فالشاعر الضحية صار يسير في خطوات حدثية تبُعد به عن الهدف، وهو الحظوة بمن فارق، وصارت الوسيلة التي يتجنب بها ذلك البُعد والفراق هي الوسيلة ذاتها التي أوصلته إلى الفرقة من جديد، فالقُبلة- بوصفها وسيلة وصل بين المحبين- مشفوعة بكبر سنّه- بوصفه اشفاق عليه-:
وقارك والتقت ترهُنّ بيضًا
كبرتَ! فقلتُ: مسكين الكبيرُ
فبدلاّ من أن يقرّباه ويحظى بوصاله، فقد كانتا وسيلة ردع من قبل الحبيبة، فالبيئة الشرقية المحافظة تقف حائلًا بين الضحية والمتهم؛ إذ إنّ