مهيار من فرائس هذه الآفة وضحاياها لما وجدناه يقف محذّرًا من تفاقمها وإلقاء تبعاتها على الحظوظ؛ إذ يقول (51) :
قل لأخي الحرص استرح إنّما
حظّك إدلاج وتأويبُ
إذا الحظوظ انصرفت جانبًا
لم يُغن تصعيدٌ وتصويبُ
مالك تحت الهونِ مسترزقًا
وإنَّما رزقك مكتوبُ
لا تذهبنَّ اليوم في ذلّةٍ
فاليومُ من عمرك محسوبُ
وإن جهدتَ النفس في مكسبٍ
فالمجد انّ المجد مكسوبُ
سمة الاصلاح وعمومية الصورة المتجهّمة والمتهتكة بالحرص وأهله التي رسمها مهيار ... - بوصفه ضحية من ضحاياه- واضحة جلية لا سيما بعد أن خَبِره وجرّب أهله، وهذا ما أيّده في قوله الذي يسبق النص الآنف:
جرّبتُ قومًا فتجنبتهم
ورسلُ العقل التجاريبُ
وزادني خبرًا بمن أتقي
أنّي بمن آمنُ منكوبُ
وهكذا يبرز مهيار بوصفه ضحية كُشف عن أمرها، وهذا يعني أنّه كان على خطأ، فمَن كَشف أمره أمام الآخرين وكان ذا شخصية واضحة فهو على صواب- وهذا ما أومأ له في البيت الثاني من النص السابق-، أو قلْ: في مأمنٍ من الوقوع كضحايا للحرص، ومن ثم فهم في مأمن من هجوم الشاعر وذمّه لتلك الآفة المستشرية في بعض المجتمعات، فمهيار هنا يقدّم نفسه ليس ضحية-هجائية- فحسب، بل جعل من نفسه كبش فداء قدّمه المجتمع مثقلًا بذنوب جميع أفراده أيضًا، ولعلّ هذا ما دعاه لئن يقف في النص أعلاه موقف الناصح الواعظ من نبذ الحرص على الدنيا، وانّ الأمور معقودة نواصيها بالحظوظ والارزاق المقدّرة، فلا يجني الانسان من دنياه غير المقدّر له، ومن هنا يدعوه إلى عدم ذلّ النفس وامتهانها، وفضلًا عن هذه المفارقة الكلّية فهناك مفارقات جزئية اتكأت عليها وتشكّلت منها تتمثل بالسير الحثيث والمتأنّي للحظوظ، التي إذا ما ذهبت لم يغنِ الصعود والخفض، أي الصعود على أكتاف الآخرين وحسابهم رغبة في التطلّع السريع إلى علو الشأن، أو خفض الرأس وطأطأته تملّقًا ونفاقًا للحظوة بالمركز والمال.
وإذا كانت الرواية هي النمط الأفضل لـ (المفارقة الرومانسية) (52) ، فيمكننا أن نستشعرها لدى مهيار من جهة انّ الرواية فن نثري (كتابي) ، وان شاعرنا قد زاول الكتابة- لكن ليس بوصفه روائيًا -، فالقاسم المشترك بينهما الكتابة الأدبية، ومن هذه النقطة تنبثق المفارقة الرومانسية؛ إذ إنّ صاحب المفارقة/الكاتب (( يعي انّ الأدب لا يمكن ان يبقى غرّيرًا لا ينطوي على تأمّل، بل يجب أن يقدّم نفسه واعيًا بطبيعته المتناقضة، التي تضم النقيضين. ان (( حضور الذهن ) )عند المؤلف يجب ان يكون عنصرًا رئيسًا في عمله إلى جانب القوة الدافعة في الحماس والالهام، تلك القوة (( العمياء ) )رغم انها لا تقل ضرورة )) (53) ، وعليه فالمفارقة الرومانسية تتجلّى في شعر مهيار بأعلى درجاتها خصوصًا إذا ما علمنا انّ خصيصتي الإلهام وحضور الذهن على الرغم من مثولهما في شعره -بشكل عام- إلاّ انّه لم يكتفِ بهذا فراح يصرّح بهما شعريًا وفي أكثر من مناسبة، خذ مثلًا قوله في إلهامه الشعري (54) :
ألهم الشعر بأنّي ناصح
لك في المدح فصفّى ونخلْ
حظوة في القول متى قسمت
لك والشعور حظوظ ودولْ
كلَّما عنَّ ترنحتُ له
فيشكّون أفكرٌ أم ثملْ
إلهام مهيار الشعري وما ينتابه من شعور وحالات إنشادية معينة كانت موضع شكّ من مناوئيه بانّ ما ينفثه من كلام شعري هل هو عن وعي فكري وقصد؟ أو ما هو إلاّ ترهات ثمل قد عبّ من كؤوس الخمرة فأخذ برصف الكلمات أنى شاء له القول؟، ولعلّ هذا التشكيك يمثل بؤرة المفارقة الرومانسية في شعر مهيار هذا فيما يخص الشاعر، وهناك مفارقة رومانسية أخرى تخصّ المتلقي تتمثل بحظوة شعر شاعرنا لدى سامعيه؛ إذ نلمح في عبارته [والشعور حظوظ ودول] لذّة أدبية جمالية عملت على مباغتة المتلقي وكسر توقعاته حينما جعل من المشاعر الخاصة قرينة الحظّ، وخصيصة لازمة لأناس معينين في أزمنة ما دون سواهم، وهذه هي المفارقة بعينها.
ولمّا كانت (المفارقة الدرامية) تشكّل عماد المسرح فهذا لا يعني اقتصارها على الجانب الدرامي