الصفحة 7 من 16

قد (( يعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس ) ) (44) .

وإذا ما انسحب مهيار تمامًا في مفارقة الكشف عن الذات، فإنه في (مفارقة الفجاجة) يتخلّى عن مكانه لغرّير هو غير صاحب المفارقة لكنّه يتصرّف نيابة عنه من دون علمه بالأمر، وقد يدلي هذا الغرّير بأسئلة أو تعليقات لا يدرك مغزاها بالكامل (45) ، وقد كانت الإبل والجياد هي ذاك الغرّير الذي رسم مهيار صورته كبديلٍ عنه، فصارت لسان حال الشاعر حيث تحكي حزنه بعد وفاة أستاذه الرضي، فيقول (46) :

فتقامصت ملسوعة بشتاتها

تسمُّ المذلّة بزلها ووسامها

أخلق بها مطرودة من بعده

تشكو على قرب الحياض اوامها

لمن الجياد مع الصباح معارة

تنضي الظلامَ وما نضى أجسامها؟

صبغ السوادُ- ولم تكن مسبوقة-

أعرافَها ظلمًا وعمّ لِمامها

من كلِّ ماشية الهوينا أنكرت

شقّاتها واستغربت إحجامها

جرداء تسأل ظهرها عن سرجها

وتجرّ حبلًا لا يكون لجامها

وكما نوّهنا فقد تخلّى مهيار- صاحب المفارقة-عن مكانه وترك زمام الأمر لناقة وفرس غرّيرينِ لا يعيان حقيقة ما حولهما، وجعلهما يسألان عن سبب تلك الجلبة والحركة غير الطبيعة في ذلك الصباح الذي وافى الرضي أجله، فضلًا عن سؤال الخيل عن سبب تجرّد ظهورها من السروج؟ وماهية ذلك الحبل الذي ليس بلجامها؟ ولعلّ هذا التجرّد وذاك الحبل ما هي إلاّ رموز لجأ إليها مهيار ليومئ من خلالها إلى تقطّع عرى المسلمين وذهاب هيبتهم وكبريائهم بدلالة السرج على المكانة والشجاعة، وما يؤكّد هذه الرمزية السمات التي نزعها مهيار على تلك الحيوانات غير العاقلة من نحو: شعورها بالحزن والحديث وطرح الأسئلة، وأضاف إليها ارتداء السواد حزنًا على الرضي، وهي أمور تفارق الواقع وتناقضه.

وقد يعمد مهيار إلى عقد مجاورة شديدة بين ظاهرتين غير متوافقتين، أو قولين متناقضين، أو صورتين متنافرتين من غير تعليق وهو ما يعرف بـ (مفارقة التنافر البسيط) (47) ، وهذا اللون من المفارقات له الغلبة في شعر مهيار؛ إذ كان مكمن براعته في عقد المتناقضات بعقال وظيفي واحد، ومن ذلك مجاورته بين مجموعة صور وألفاظ قائمة على علاقة مفارقة وتضاد بين الحب البشري والحب الالهي وما يترتب على كل منهما من أفعال متناقضة، فيقول (48) :

كم عثرة بين زمزم لك والـ

مشعر لا يستقيلها العاثرْ

أفسدت فيها فريضة الحج بالذلّ

لغير المهيمن القاهرْ

قلبك فيها على التنسك معقود

وللفتك فعلك الظاهرْ

فأنت بين الاحرام والحب

للأصنام لا مؤمن ولا كافرْ

تخضع منها لصورة فطرتْ

ويخضع المخبون للفاطرْ

هنا يصوّر مهيار الغزل- الحب البشري- عثرة لا تقال إزاء حبّ الله تعالى، وكما هو واضح فهذه المفارقة وقعت في موسم حج وعليه فالصور المتجاورة جميعًا لا تقبل الجدل والنقاش؛ كونها تدخل في باب الحرمة وفساد لفريضة الحج، لكن ما يهمنا هاهنا هو تسليط الضوء على المتجاورات الضدّية التي نلمحها في (عثرة/لا يستقيلها العاثر) ، و (النية القلبية/الفعل) ، و (التنسك/الفتك) ، و (الاحرام/الحب للأصنام) ، و (المؤمن/الكافر) ، و (الخضوع لصورة/الخضوع للباري عز وجلّ) ، فكأنّ المفارقة في النص أعلاه قد أعتمدت (( على إمكان الموازنة بين نصين مختلفين، من أجل إثبات أحدهما ونفي الآخر ) ) (49) .

وهناك (المفارقة العامة) وهي مفارقة من نوع خاص، وفيها يكون مهيار- صاحب المفارقة- أحد ضحاياها مع بقية الجنس البشري، بوصفها تتناول تناقضات جوهرية تواجه الناس تتعلق بـ (( أصل الكون وغايته، حتمية الموت، الانقراض الأخير لجميع أنواع الحياة، استحالة الكشف عن المستقبل، التضارب بين العقل والعاطفة والغريزة، الإرادة الحرة والحتمية، الموضوعي والذاتي، المجتمع والفرد، المطلق والنسبي، الانساني والعلمي ) ) (50) ، وغالبًا ما يكون الغرض في هكذا لون من المفارقات اصلاحي، والحرص المادي واحد من المعطيات الموضوعية التي يتوقف على نبذها مستقبل المجتمعات ورقيّها، ولو لم يكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت