بالإضافة إلى أن الحاجة الدينية كانت تقتضي ظهور هذا العلم، وذلك أن العرب المسلمين أرادوا أن ينشروا الإسلام بين الشعوب التي فتحوا بلادها، ومحورُ الإسلام كما هو معروفٌ القرآنُ الكريم، وهو نصٌّ عربيٌّ، ومن الضروريِّ على كل مسلم ومسلمة أن يقرآ منه آياتٍ في كل يوم، ومن ثَمَّ لا بدَّ لَهُ من الإلمام باللغة العربية ولو بقدرٍ يُمَكِّنه من فهم الآيات التي يقرؤها [1] ، على أن تكون قراءته صحيحة خالية من اللحن؛ لأن اللحن مذموم؛ لما يُحدِثه غالبا من إفسادٍ للمعنى [2] ، ولذا كانت محاربة اللحن نابعة من الإحساس الديني، وهكذا أصبح تَعَلُّمُ اللغة العربية قضيةً دينية [3] .
وقد ساعد على ظهور هذا العلم أن الإسلام أحدث تغيُّرا في الواقع الحضاري للمسلمين فقد وَضَعَهم في مرحلة حضارية جديدة تأثرت بها كل مجالات حياتهم الفكرية والاجتماعية، ومن هذه المجالات لغتهم: اللغة العربية [4] ؛ لأن الواقع اللغوي مقترن دائما بالواقع الحضاري [5] ، واللغة لها اتصال وثيق بالنشاط المعرفي للإنسان، فهي أكبر نشاط ينهض به الإنسان.
إن هاتين الحاجتين، أي: الاجتماعية، والدينية قد جعلتا المسلمين يقفون أمام تحدٍّ لغوي كبير، فسَعَوا إلى مواجهته في مجالين متصلين ومتكاملين: أولهما:
(1) ينظر تاريخ النحو العربي ص 55.
(2) ينظر كتاب إيضاح الوقف والابتداء 1/ 14 وما بعدها.
(3) ينظر كتاب إيضاح الوقف والابتداء 1/ 19 وما بعدها، وأخبار النحويين البصريين ص 34، ومراتب النحويين ص 26 وما بعدها، والفهرست لابن النديم ص 63، ونزهة الألباء ص 19.
(4) ينظر تاريخ النحو العربي ص 45، وفي التفكير النحوي العرب ص 32 و 35.
(5) ينظر في التفكير النحوي عند العرب ص 11 و 35.