الصفحة 9 من 112

عاش العرب أحقابا من الزمن في قلب جزيرتهم العربية وعاشت معهم لغتهم العربية الفصحى راسخة الدعائم متماسكة البنيان بفضل بعدهم عن الأعاجم، إضافة إلى وجود أسواق لهم تقام في شهور السنة تُعقد فيها منتديات الأدب ويتبارى فيها بلغاء الخطباء ومفوَّهُو الشعراء من القبائل المتباعدة الأصقاع فيعرضون مفاخراتهم ومنافراتهم وكل ما يَعنُّ لهم من جيد الخطب وبديع الشعر، فكانوا بذلك يتكلمون لغتهم العربية بفصاحة مطلقة دون حاجة إلى معرفة قواعدها أو إلمامٍ بأحكامها.

ولقد ظهر الإسلام في قلب الجزيرة العربية، وكان إقبال الناس عليه في البداية ضعيفا، ثم ما لبث أن دخل فيه الناس أفواجا أفواجا؛ لأنه دين الخير والفضيلة، ودين العلم والنور، فهو يُخرج أصحابه من الظلمات إلى النور، وينقلهم من الشقاء إلى السعادة، ولهذا وجدناه ينتشر سريعا ويتسع ويصل إلى أماكن كثيرة من أرجاء الكرة الأرضية ويدخل فيه أعداد كبيرة من غير العرب الذين أصبحوا يُكوِّنون فئة كبيرة من المسلمين. وكان من الطبعي أن يندمج هؤلاء مع العرب المسلمين ويختلطوا بهم، وكان لا بُدَّ لهذا الاختلاط من اتخاذ لغةٍ له تُعَبِّرُ عنه وتقضي حاجاته، ولم يكن بُدٌّ من أن تكون هذه اللغة هي اللغة العربية؛ لأنها لغة المنتصر ولغة الدين الإسلامي، ولا سبيل لاتخاذ هذه اللغة وسيلة للتعبير بدون وضعِ قواعدَ لها؛ لتصبح هذه اللغةُ أساسَ وحدةِ الفكرِ، ودعامةَ الوحدة العقدية معا، ومن هنا كانت الحاجة الاجتماعية قائمة لظهور علمٍ لقواعد اللغة العربية [1] .

(1) ينظر تاريخ النحو العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري ص 51 و 55 و 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت