الصفحة 23 من 24

-قال المتنبي: (الديوان/2/ 67)

سعوا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وجادوا وهم في المهود

-"إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنّه إذا صلّى وهو ناعس"رياض الصالحين/79.

ويبدو أنّ الفرق بين هذه المجموعة وسابقتيها أنّ الأولى قد خلصت للدلالة على الزمان تمامًا، وأنّ الثانية تشير إلى حدث مستقل يتزامن مع مضمون العامل، أما هذه فكأنّها يتنازعها معنيان؛ معنى الزمان ومعنى الحال (بيان الهيئة) ، بل إننا إذا تأملنا العبارات السابقة وجدنا فروقًا دلاليّة دقيقة بينها؛ فبعضها يعلو فيه الإحساس بالدلالة الزمنية (وأنا في الجاهليّة، ونبيّها حيّ، وهم صبية، وهم في المهود) ، ويخفت فيها بيان الحال، حتى كأنّه ظل باهت يلوح وراء نصاعة معنى الزمان، وبعضها الآخر يتقدّم فيها ملحظ بيان الهيئة (وهو يصلي، وهو ناعس) حتى إنّه ليزاحم معنى الزمان، وقد يتقدّمه بدرجات. بل إنّه يصعب أحيانًا الحكم لأحد الملحظين بالتقدم على الآخر (وأنت صحيح) [1] .

ولعلّ التمايز يكون أوضح وأجلى إذا وضعت العبارات السابقة بإزاء هذه العبارات:

-"فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ..."رياض الصالحين/277.

-"لا تحقرّن من المعروف شيئًا، وأنْ تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك"رياض الصالحين/329.

-"مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا .."... رياض الصالحين/337.

-"ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون ..."رياض الصالحين/545.

فهذه ينعدم فيها معنى الزمان أو يكاد، ويبرز فيها بيان الهيئة بروزًا قويًا لا يكاد يُلتفت فيه إلى معنى آخر غيره [2] .

ويبدو أنّ هذه الفروق الدلاليّة بين المجموعتين السابقتين تعتمد، بالدرجة الأولى، على دلالات الخبر في الجملة الحاليّة؛ تأمّل، مثلًا الفرق بين:

(1) 42. ... تظهر شدّة التداخل بين الدلالة على الحال وظرف الزمان في قول جميل بثينة:

ألا ليت أيام الصفاء جديد ... ودهرًا تولّى، يا بثينَ، يعود

فنغنى كما كنّا نكون، وأنتم ... صديق، وإذ ما تبذلين زهيد

إذ يُظْهِر التركيب أنّ الظرف (إذ) قد عطف على الجملة الحاليّة (وأنتم صديق) بل هذا ما قاله بعضهم في بيان الأوجه الإعرابيّة المحتملة في إعراب البيت (انظر فخر الدين قباوة، المورد النحوي، ط 3، مؤسسة الرسالة، 1984، 204) . وبغض النظر عن الأوجه المحتملة فإنّ وجود ظرف الزمان وجملة الحال بينهما حرف عطف يجعل التساؤل عن بعد الزمان في مثل هذه الجمل الحاليّة مشروعًا.

(2) 43. ... يلاحظ أنّ قوله:"وأنا مهموم"وقوله:"وهم كارهون"فيه بيان الحالة النفسية بخلاف قوله:"وأنت منبسط له وجهك"وقوله:"وأنا جالس هكذا"وهذه، أيضًا، فروق دلاليّة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت