الصفحة 1 من 13

وصف الصورة (الرسم أو اللوحة) في الشعر العربي القديم

د. فاروق مواسي

كثيرًا ما يستغرق الدارسون في وصف الصورة الشعرية لمشهد ما أو لرؤية عمد إليها الأديب في نصه، وذلك ليبينوا لنا قدرة هذا الأديب على التوصيل أو الإيحاء أو التوصيف، فيلجأون إلى معالجة الاستعارات الجزئية أو الكلية أو التشبيهات على أنواعها، كما يلجأون إلى إعمال المهارات الفنية في التقويم والتحليل

لكني هنا سأعمد إلى الصورة أو الرسم أو اللوحة - تلك التي وصفها الشاعر، أو حدد معالمها، أو عكس من خلالها موقفًا حياديًا أو عَلاقيًا به وبوجدانه.

ولا بد من التأكيد بدءًا أن هذه التصاوير التي تناولها الشعر [1] تكاد تكون نادرة [2] ، وخاصة تلك التي تتناول الإنسان أو الحيوان، وذلك بسبب الموقف الفقهي الإسلامي من التصوير.

إن تحريم التصوير سائد في الشريعة الإسلامية - رغم أنه لم تكن هناك آية واضحة تحرم ذلك [3] ، بل كانت أحاديث شريفة حادة الموقف إزاءه، ومنها:"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة هم المصورون" [4]

ومع ذلك، فثمة تصاوير كثيرة شهدناها لشخصيات أو أشخاص في تضاعيف المخطوطات ككتاب كليلة ودمنة ومقامات الحريري و ألف ليلة وليلة، كما رأينا صورًا لشخصيات دينية

(1) - - من الطبيعي أن نجد في النثر - وخاصة في كتب الرحلات - مادة أكثر عن التصاوير، وخاصة فيما يتعلق بالكنائس أو المعابد القديمة لنقرأ بعضًا مما دونه ابن جبير (ت. 1217 م) في رحلته، وهو يصف قصرًا شرقي أخميم في مصر:

".... والتصاوير على أنواع في كل بلاطة من بلاطاته، فمنها قد جللته طيور بصورة رائقة باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها كإمساك تمثال بيدها أو سلاح أو طائر، أو كأس، أو إشارة شخص إلى آخر بيده، أو غير ذلك مما يطول الوصف له، ولا تتأتى العبارة لاستيفائه. وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة، منها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبًا، ويتملأ منها عبرة وتعجبًا ...."رحلة ابن جبير، ص 36 - 37.

(2) - من الطبيعي أن تكون نادرة جدًا في العصر الجاهلي، بسبب أن الاحتكاك الحضاري كان قليلًا، ومعرفة العربي بفن الرسم أقل. بينما بدأ الاحتكاك يشتد مع ظهور الإسلام وانتشار الدعوة بين الشعوب المتاخمة ممن عرفوا التصوير.

(3) - هناك آية تحرم الأنصاب:".... إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ...." (سورة المائدة 92) ، وبالطبع فإن حديثنا هو عن الرسم لا عن النصب.

(4) - انظر: صحيح البخاري، ج 7، ص 215 (كتاب اللباس - باب عذاب المصورين ... ) ، ومن الأحاديث الواردة:"إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت