مصوّرة بصورة ... جند كسرى وكسرى في قرار الطرجهار
وحل الجند تحت ركاب كسرى ... بأعمدة وأقبية قصار [1]
ويُلاحظ أن صورة كسرى في قرارة الكأس هي صورة ملازمة للدلالة على هذه الصحبة المميزة حتى الثمالة. إنها مشاركة وجدانية تقل وتزيد تبعًا للموقف، وقد كانت القصيدة النواسية التي بدأت بها خير تعبير عن هذا التماثل النفسي بين الصورة على الكأس وبين الشاعر.
وكان الإيوان نفسه مصدر إيحاء لقصيدة كتبها البحتري (ت. 897 م) فيما بعد، فقد أقبل إليه الشاعر راكبًا جمله عندما حضرته الهموم، فأراد أن يتسلى ويبحث عن عزاء له بعد أن زعزعه الدهر ونكبه، والعزاء يجده في مصير آل ساسان الذين بلغوا القمة - وليس أدل على ذلك من هذا الإيوان وأبهته - وها هي يد الدهر ترزأ أصحابه وتنكبهم، فأصبح الإٌيوان درسًا.
يصف الشاعر أولًا صورة كلية للمدائن، ثم يلتقط جزءًا منها- هو قصر الجرماز، وما يلبث أن يتوقف على جزء منه - صورة أنطاكية. إنها جدارية أو لوحة فنية عرضها الرسام ليصور فيها حصار أنطاكية من قبل الفرس، فيتوقف على لقطة من هذه اللوحة، وما يلبث أن يتركز على صورة كسرى أنو شروان، ولنقرأ:
فإذا ما رأيتَ صورة أنطا ... كيةَ ارتعتَ بين روم وفرس
والمنايا مواثلٌ وأنو شر ... وانُ يزجي الصفوفَ تحت الدِّرَفس
في اخضرارٍ من اللباس على أصـ ... فرَ يختال في صبيغة وَرس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوتٍ منهم وإغماض جرس
من مُشيح يُهوي بعامل رمح ... ومُليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جِد أحيا ... ءٍ لهم بينهم إشارة خرس
(1) - ديوان أبي نواس ص 77: البزال = المصفّى من الخمرة، الطرجهار = شبه كأس، الأقبية = جمع قباء، وهو نوع من اللباس.