الصفحة 8 من 13

يغتلي فيهم ارتيابيَ حتى ... تتقرّاهمُ يداي بلمس [1]

يحاول الشاعر في الأبيات الوصفية أن يوهمنا بحقيقة التفاصيل، وأن الحرب تدور رحاها على أرض الواقع بين الفرس والروم، حيث يهمه إبراز دور الفرس وقائدهم، فهم مصدر التماثل النفسي والتعاطف لديه؛ فهذا قائدهم أنو شروان يقود الصفوف تحت الدرفس - العلم المقدس [2] ،

وبالطبع فإن في التركيز على هذا العلم دلالة تتجاوب مع نفسية الشاعر الذي يستجلي عظمة الفرس بالذات. إنه يرى أنو شروان بلباسه الأخضر يركب فرسه الصفراء، ويمشي مزهوًا على صبيغة ورسية من دماء الأعداء، فالمنايا ماثلة أمامهم، والعراك شديد وقائم.

بدأ الشاعر يوهمنا بحقيقة ما في الصورة أو بواقعها منذ البدء، فأشرك المتلقي بقوله (ارتعتَ) ، وبذلك فهو ينقل حالة متخيلة للمتلقي، وكأنه واثق منها. وهو يحاور المتلقي الذي ربما هو في شك من أن العراك حقيقي، فيهمس له أن هذه الحرب تدور في خفوت، وفي خفاء الأصوات، وأن بين المتحاربين حركات صماء كإشارات الخرس.

وحتى ينقل الحركية ودرامية الموقف يستخدم الشاعر أفعالًا وأسماء فاعلين: يُزجي، يختال، مشيح، مليح ...

يعود الراوي الشاعر ليقنعنا أن هذا الوصف حقيقة فعلية:"تصف العين أنهم جد أحياء"، ومنعًا من شك قد يساور المشاهد يؤكد على أن الأصوات في المعركة غير مسموعة، ومن هنا يستبد به الشك، وينقل مشاعره إلينا، فيقول"يغتلي ارتيابي"، والفعل (يغتلي) يدل على الحدة والشدة، فإذا به يمد يده ليلمس ما يرى في الصورة: هل هي مجرد صورة لكسرى أم أن أنوشروان هنا حقيقة؟ هل هذه المعركة هي فعلية أم أنها غير ذلك؟

والفعل"يتقرى"يدل على تتبع في أكثر من مكان، وعن بحث في عمق ما يرى، فهل هذا ترس حقًا؟ وهل هذه هي الفرس

إذن هو متماثل مع وصفه ومتخيل إلى حد الإحساس بحقيقية ما يرى، وهذا النقل الوجداني لما يراه عبّر عن إحساسه العميق ومشاركته في الحدث. والشاعر لا يبغي أن يصف لنا احتدام المعركة بقدر ما أراد أن يؤكد على بطولة الفرس، وبالتالي بطولة هذا الإيوان ومن بناه، بل عظمة بني ساسان الذين يرى فيهم الشاعر، وفي مصيرهم مصدر عزاء له.

(1) - ديوان البحتري، ج 1، ص 192.

(2) - الدِّرَفس = رمز تحرير بلاد الفرس على يد أفريدون، ومعنى اللفظة راية الحداد، وكانت هذه الراية مرصعة بالجواهر. (ن. م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت