الصفحة 9 من 13

إن قدرة النص على تخييل الحالة تجعل المتلقي يقتنع بهذا الإيهام، ويأخذ هو كذلك بالتساؤل، بل يشارك الشاعر في مشاعره، فيتخيل يده هو تُمد نحو الصورة، ليتيقن هو كذلك مما يجري.

وحتى تكتمل واقعية الصورة فقد تركز الشاعر على ذكر الألوان: أخضر، أصفر، صبيغة ورس، وما كان ذلك إلا لإضفاء الجو الواقعي المباشر. ذلك لأن اللون أصلًا لا يجعل من أنوشروان بطلًا ولا يقدم شيئًا، سواء لبس الأخضر أم الأبيض، ولكنها الصورة الحية التي يعرضها الفنان في كلماته كما عرضها الرسام في صورته. [1]

إن الشاعر الذي حضر إلى الإيوان حزينًا وأخذ يتأمل منظرًا مبهجًا لنفسه - وقع في نوع من تضاد الموقف، ولذا لاحظنا أن لغته تفاعلت مع واقعه، فاستخدم هذا التضاد عبر: مشيح، مليح [2] ، ويغتلي ارتيابي واللمس. وما ذلك إلا بسبب حالة الذهول التي مني بها الشاعر إزاء من يجد في مصيرهم وفيما آلوا إليه عبرة له وأسوة.

تبقى هذه الأبيات من السينية نماذج مميزة في الشعر العربي من حيث وصف اللوحة أو الصورة ومشاركة الشاعر وجدانيًا لتفاصيلها.

وإذا استرسلنا في متابعة نصوص أخرى قديمة فإننا نقع على أبيات لعمارة اليمني (ت.1175 م) ... ، حيث يصف دارًا بناها فارس الإسلام (؟) :

لم يبق نوع صامت أو ناطق ... إلا غدا فيها الجميع مصوَّرا

فيها حدائقُ لم تجُدها ديمةٌ ... كلا ولا نبتت على وجه الثرى

لم يبدُ فيها الروض إلا مُزهرا ... والنخلُ والرمانُ إلا مثمرا

والطير مذ وقعت على أغصانها ... وثمارِها لم تستطع أن تنفُرا

وبها من الحيوان كل مُشبّهٍ ... لبس الحرير العبقريَّ مصورا

لا تعدم الأبصار بين مُروجها ... ليثا ولا ... ظبيًا بوجرةَ أعفرا

أنِست نوافرُ وحشها لسباعها ... فظبائها لا تتقي أسدَ الشرى

وكأن صولتك المخيفة أمنَّت

أسرابَها أن لا تخافَ فتذعرا

(1) - تقتضي الأمانة العلمية أن أذكر إفادتي أو تحليقي في بعض ما ذكره إيليا حاوي، وذلك في تحليله لسينية البحتري، في كتابه في من النقد الأدبي ج 3، ص 123 - 149.

(2) - المشيح: المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره؛ والمليح: المحاذر خوفًا، ونلاحظ كذلك هذا التجنيس غير التام الذي يضفي موسيقية العبارات وحركة الإيقاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت