الصفحة 5 من 13

هذا الوصف لصورة الكأس النواسية استرعى انتباه بعض النقاد القدامى [1] ، علمًا بأن ظاهرة التصاوير كانت مألوفة في المعابد والكنائس وعلى الأواني المختلفة. [2]

وقد تناول معنى أبي نواس بعض الشعراء، أذكر منهم ابن المعتز (ت. 908 م) ، وذلك في وصفه الكأس العسجدية التي عليها التصاوير الفارسية، ويبدو للشاعر أن كسرى غريق فيها:

يمجُّ سلاف الخمر في عسجدية ... توهّج في يمناه كالكوكب الفردِ

محفّرة فيها تصاوير فارس ... وكسرى غريق حوله حِزق الجند [3]

وفي قصيدة أخرى:

وهذا الوصف فيه صورة لغياب الصحو أو العقل بعد أن استبدت سَورة الشراب، حتى أن الأسود المرسومة على الكأس كانت فعالة، وها هي قد افترست ألباب الشاربين في حميا شرابهم.

(1) - من هؤلاء الجاحظ، فقد ذكر الحصري (ت. 1095 م) :"قال الجاحظ: نظرنا في الشعر القديم والمحدث، فوجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، غير قول عنترة:"

وخلا الذباب بها يغني وحده

وقول أبي نواس في المحدثين:

قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس

فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس

(زهر الآداب ج 2، ص 739)

ويورد رأي الجاحظ (ت. 868 م - ولم أهتد إلى ذلك في مؤلفاته) كذلك ابن الأثير (ت.1239 م) ، فيقول في معرض حديثه عن الإيجاز:"ومن هذا الضرب قول أبي نواس وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع (الأبيات) ": و يضيف:"و مما انتهى إلي من أخبار ابن المزرَّع قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرًا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلاق، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك!! ما تفارق عمل الجرار والخزف"

ويضيف ابن الأثير:"ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف، وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق (ابن الأثير المثل السائر، ج 2، ص 114 - 115) ."

ومن العجيب أن ابن الأثير له موقف مغاير من هذا الشعر بالذات، فقد أورد في مكان آخر وهو يناقش المعجبين بالأبيات:

"وقرأت في كتاب الروضة لأبي العباس المبرّد فقال فيما أورده من شعره (أي شعر أبي نواس: ف. م) وله معنى لم يُسبق إليه بإجماع، وهو قوله: تدار علينا الراح ( إلخ) ، وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى وقولهم إنه معنى مبتدع والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة؛ فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رؤوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر" (المثل السائر ج 1، ص 306 - 307) .

وممن شهد لأبي نواس بالسبق في هذا المعنى -أي في تصاوير الكؤوس - ابن قتيبة (انظر الشعر والشعراء ج 2، ص 811.

(2) - لكن الشعراء لم يتوقفوا على ملامح الصور، فهذا ابن الرومي يذكر التصاوير:

فإذا ما ناديتهم لملمة ... فنادوا التصاوير التي في الكنائس

ديوان ابن الرومي ج 3، ص 1242

ومثله كثير، لكن دون وقوف على تفاصيل.

(3) - ديوان ابن المعتز ج 2، ص 240، وفي رواية أخرى خِرق الجند. وقد ورد في كتاب نصرة الثائر على المثل السائر للصفدي

(ص 46) ، وقد اطلعت على الكتاب في موقع الوراق: http://www.alwaraq.com بيتان من شعر أبي تمام بن رياح في هذا المعنى المتكرر (الموتيف) :

وكأس بدا كسرى بها في قرارة ... غريقًا ولكن في خليج من الخمر

وما صوّرته فارس عبثًا به ... ولكنهم جاءوا بأخفى من السحر

(4) - ديوان ابن المعتز ج 2، ص 296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت