وعلى إثر زيارة البحتري لإيوان كسرى قال سينيته التي تصف معالم العظمة وأبهة آل ساسان التي اندثرت. وما كانت الزيارة إلا ليتأسى بها الشاعر، وليعزي نفسه عما ألم به من صروف الدهر ونكباته.
توقف الشاعر على صورة أنطاكية - الجدارية، وصورة المعركة بين الفرس والروم، وأظهر تحيزه لأنو شروان، وقد تماثل عاطفيًا مع نبضات اللوحة، فنقلها لنا صورة حية- من خلال كلماته التي حاول أكثر من مرة أن يوهمنا بأنها حقيقية وعلى أرض الواقع.
حاول أكثر من شاعر أن يصف قصرًا - على جدرانه بعض الصور. لكن يُلاحظ أنها جميعًا كانت مجرد وصف لما يشاهده الشاعر. إنه وصف خارج عن وجدانه الحقيقي، فالوصف كما لاحظنا لدى عمارة اليمني - مثلًا - كان مباشرًا، وذلك عندما كان يعدد ما يرى هنا وهناك ....
وعلى العموم، فهذا اللون الأدبي لا يكاد يجد له نماذج أخرى يتملى صاحبها بالرسم، أو يقف عند الخطوط والألوان ودلالتها، أو يعكس من خلالها - كما رأينا لدى أبي نواس والبحتري - نفسيته أو موقفًا له. [1]
(1) - لم أهتد في الشعر الحديث على كثرة ما نقبت في شعر شوقي وحافظ ومطران وأضرابهم، ووصولًا إلى شعر الحداثة على نماذج تصف الموناليزا مثلًا أو الجيرينيكا ، لكنهم كثيرًا ما مروا مرور الكرام على التصاوير التي على الكنائس: (انظر مثلًا: شوقي: الشوقيات ج 2، ص 24) - في وصف آيا صوفيا:
وأودع الجدران ... من نقشه ... بدائعًا من فنته المفرد
فمن ملاك في الدجى رائح ... عند ملاك في الضحى مغتدي
ومن نبات عاش كالببغا ... وهو على الحائط غض ندي
غير أن صلاح فضل في كتابه قراءة الصورة (ص 81 - 91) تحدث عن قصائد عرضها الفنان التشكيلي عدلي رزق الله في معرض لمائياته في القاهرة - جعله تحت عنوان"كل هذا الشعر"، حيث ضم المعرض قصائد وصفية كتبها أحمد عبد المعطي حجازي وإدوار الخراط وعبد المنعم رمضان ووليد منير وأمجد ريان، وكلهم يترجم بحساسيته وأسلوبه رؤيته لعلاقة جماليات اللون واللغة أشكال التكوين البصري والشعر، وسأسوق نموذجًا من شعر حجازي:
"قطرتان من الصحو"
في قطرتين من الطل
قل هو اللون في البدء كان
وسوف يكون غدا
فاجرح السطح إن غدًا مفعم
ولسوف يسيل دم""
ومن شعر وليد منير:
"تخللتني زرقة واتسع الهواء"
وشف حولي جسد الكون فصار الكون زهره
وامرأة
وماء""
وجدير بالذكر أن البياتي (ت.1999) كان قد سبق و كتب قصيدة"ثلاثة رسوم مائية"، ومطلعها:
تتفجر الأضواء عبر مخاضة اللون القتيل على الجدار
رحلت ولكن الربيع على الوسادة لا يزال
(عبد الوهاب البياتي: الأعمال الكاملة، ج 2، ص 216)
وتبدوعلاقة البياتي بفن الرسم قوية، وليس أدل على ذلك من قصائده: التي وجهها إلى الرسامين جواد سليم وإلى بابلو بيكاسو (ج 1، ص 432، ص 452) وقصيدته إلى سلفادور دالي (ج 2،398) ، حيث يذكر عرضًا أسماء لوحات له، أو يستعرض موقفًا عامًا من ألوانها أو.